ابن عجيبة
140
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي : على المشركين نَبَأَ إِبْراهِيمَ أي : خبره العظيم الشأن ، ولم يأمر في قصص هذه السورة بتلاوة قصّة إلا في هذه ؛ تفخيما لشأنه ، وتعظيما لأمر التوحيد ، الذي دلت عليه . إِذْ قالَ أي : وقت قوله لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ أي : أىّ شئ تعبدون ؟ وإبراهيم عليه السّلام يعلم أنهم عبدة الأصنام ، لكنه سألهم ؛ ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة ، قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً ، وجواب ما تَعْبُدُونَ : هو قولهم : أَصْناماً ؛ لأن السؤال وقع عن المعبود لا عن العبادة ، فكان حق الجواب أن يقولوا : أصناما ، كقوله تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ « 1 » ، وكقوله تعالى : ما ذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ « 2 » . لكنهم أطنبوا فيه بإظهار العامل ؛ قصدا إلى إبراز ما في نفوسهم الخبيثة من الابتهاج والافتخار بعبادتها ، فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ أي : فنقيم على عبادتها طول النهار . وإنما قالوا : فَنَظَلُّ ؛ لأنهم كانوا يعبدونها بالنهار دون الليل . أو : يراد به الدوام . قالَ إبراهيم عليه السّلام : هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أي : هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم ، على حذف مضاف ، أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ إن عبدتموها ، أَوْ يَضُرُّونَ ؛ أو يضرونكم إن تركتم عبادتها ؛ إذ لا بد للعبادة من جلب نفع أو دفع ضر ؟ قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ فاقتدينا بهم . اعترفوا بأن أصنامهم بمعزل عما ذكر ؛ من السمع ، والمنفعة ، والمضرة بالمرة . واضطروا إلى إظهار أنهم لا سند لهم سوى التقليد الرديء . قالَ إبراهيم : أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أي : أنظرتم وأبصرتم وتأملتم فعلمتم ما كنتم تعبدون أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ حق الإبصار ، أو حق العلم ، فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي أي : فاعلموا أنهم أعداء لي ، لا أحبهم ولا يحبوننى ، أو : لو عبدتموهم لكانوا أعداء لي يوم القيامة ، كقوله : سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا « 3 » ، وقال الفراء : هو من المقلوب ، أي : فإني عدو لهم ، والعدو يجئ بمعنى الواحد والجماعة ؛ لأنه فعول ، كصبور . وفي قوله : عَدُوٌّ لِي ، دون « لكم » ؛ زيادة نصح ، لكونه أدعى لهم إلى القبول ، ولو قال : فإنهم عدو لكم ، لم يكن بتلك المثابة ، ولم يقبلوه ، إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ : استثناء منقطع ، أي : لكن رب العالمين ليس كذلك ، بل هو
--> ( 1 ) من الآية 219 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 23 من سورة سبأ . ( 3 ) من الآية 82 من سورة مريم .