ابن عجيبة

139

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بحال أولئك المهلكين ، ويجتنبوا تعاطى ما كانوا يتعاطونه من الكفر والمعاصي ومخالفة الرسول ، فيؤمنوا بالله تعالى ويطيعوا رسوله ، كي لا يحل بهم ما حلّ بأولئك ، أو : إن فيما فصل من القصة ؛ من حيث حكايته عليه السّلام إياها على ما هي عليه ، من غير أن يسمعها من أحد ، لآية عظيمة دالة على أن ذلك بطريق الوحي الصادق ، موجبة للإيمان بالله تعالى ، وتصديق من جاء بها وطاعته . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أي : وما كان أكثر هؤلاء المكذبين الذين سمعوا قصصهم منه - عليه الصلاة والسلام - مؤمنين ، فلم يقيسوا حاله صلى اللّه عليه وسلم بحال موسى ، وحال أنفسهم بحال أولئك المهلكين ، ولم يتدبروا في حكايته صلى اللّه عليه وسلم لقصتهم من غير أن يسمعها من أحد ، مع كونه أميا لا يقرأ ، وكل من الطريقين مما يؤدى إلى الإيمان ، قطعا لانهماكهم في الغفلة ، فكان ؛ على هذا ، زائدة ، كما هو رأى سيبويه ، فيكون كقوله تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ « 1 » وهو إخبار منه تعالى بعدم إيمانهم في المستقبل ، أو : وما كان أكثر أهل مصر مؤمنين بموسى عليه السّلام ، قال مقاتل : لم يؤمن من أهل مصر غير رجل وامرأتين ؛ حزقيل المؤمن من آل فرعون ، وآسية امرأة فرعون ، ومريم بنت ياموشى ، التي دلّت على عظام يوسف . ه . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ؛ الغالب على كل ما يريد من الأمور ، التي من جملتها : الانتقام من المكذبين ، الرَّحِيمُ ؛ البالغ في الرحمة ، ولذلك أمهلهم ولم يعاجل عقوبتهم ، أو : العزيز بالانتقام من أعدائه ، الرحيم بالانتصار لأوليائه . جعلنا اللّه من خاصتهم بمنّه وكرمه ، آمين . الإشارة : قوله تعالى : إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ : اعلم أن المعية تختلف باختلاف المقام ، فالمعية ، باعتبار عامة الخلق ، تكون بالإحاطة والقهرية والعلم والاقتدار ، وباعتبار الخاصة تكون بالحفظ والرعاية والنصر والمعونة . فمن تحقق أن اللّه معه بعلمه وحفظه ورعايته اكتفى بعلمه ، وفوض الأمر إلى سيده ، وكلما قوى التفويض والتسليم دلّ على رفع المقام ، ولذلك فضّل ما حكاه الحق تعالى عن حبيبه بقوله : إِنَّ اللَّهَ مَعَنا « 2 » ، على ما حكى عن كليمه بزيادة قوله : سَيَهْدِينِ فتأمل . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر قصة إبراهيم عليه السّلام ؛ لما فيها من الرد على أهل الشرك ؛ تقبيحا لما عليه قريش والعرب ، مع كونهم من ذريته ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 69 إلى 82 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ ( 69 ) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ ( 70 ) قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ ( 71 ) قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ ( 72 ) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ( 73 ) قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ ( 74 ) قالَ أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ( 75 ) أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ( 76 ) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 77 ) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ( 78 ) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ ( 79 ) وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ( 80 ) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ ( 81 ) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ ( 82 )

--> ( 1 ) من الآية 103 من سورة يوسف . ( 2 ) كما جاء في الآية 40 من سورة التوبة .