ابن عجيبة

133

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قالُوا له : أَرْجِهْ وَأَخاهُ أي : أخّر أمرهما ، ولا تعجل بقتلهما ؛ خوفا من الفتنة أو : احبسهما ، وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ أي : شرطا يحشرون السحرة ، يَأْتُوكَ أي : الحاشرون بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ ؛ فائق في فن السحر . وأتوا بصيغة المبالغة ؛ ليسكّنوا بعض روعته . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : المشاورة في الأمور المهمة من شأن أهل السياسة والرأي ، وفي الحديث : « ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار » « 1 » ، فالمشاورة من الأمر القديم ، وما زالت الأكابر من الأولياء والأمراء يتشاورون في أمورهم ؛ اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وبالله التوفيق . ثم ذكر جمع السحرة ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 38 إلى 44 ] فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ( 38 ) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ ( 39 ) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ ( 40 ) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ ( 41 ) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 42 ) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ ( 43 ) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ( 44 ) يقول الحق جل جلاله : فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ، وهو ما عيّنه موسى عليه السّلام بقوله : مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى « 2 » . والميقات : ما وقت به ، أي : حدّ من زمان أو مكان . ومنه : مواقيت الحج . وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ أي : اجتمعوا . وعبّر بالاستفهام ؛ حثا على الاجتماع . واستبطاء لهم ، والمراد : استعجالهم إليه ، لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ في دينهم إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ أي : إن غلبوا موسى ، ولا نتبع موسى في دينه ، وليس غرضهم اتباع السحرة ، وإنما الغرض الكلى ألا يتبعوا موسى ، فساقوا كلامهم مساق الكناية ؛ حملا لهم على الاهتمام والجد في المغالبة ؛ لأنهم إذا اتبعوا السحرة لم يكونوا متبعين لموسى ، وهو مرادهم ، ولأن السحرة إذا سمعوا ذلك حملهم التروس على الجد في المغالبة . فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً أي : جزاء وافرا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ لموسى ؟ قالَ نَعَمْ لكم ذلك ، وَإِنَّكُمْ مع ذلك ، إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ عندي في المرتبة والحال ، فتكونون أول من

--> ( 1 ) أخرجه الطبراني في الأوسط ( 6627 ) ، والصغير ( 2 / 78 ) ، والشهاب القضاعي في مسنده ( 774 ) ، من حديث أنس . وانظر كشف الخفاء ( 2 / 185 ) . ( 2 ) الآية 59 من سورة طه .