ابن عجيبة

134

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يدخل علىّ ، وآخر من يخرج عنى . ولما كان قوله : أَ إِنَّ لَنا لَأَجْراً ، في معنى جزاء الشرط ؛ لدلالته عليه ، وكان قوله : وَإِنَّكُمْ إِذاً : معطوفا عليه ، دخلت « إذا » ؛ قارة في مكانها ، الذي تقتضيه من الجواب والجزاء . قالَ لَهُمْ مُوسى بعد أن قالوا له : إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى « 1 » : أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ من السحر ، فسوف ترون عاقبته . ولم يرد به الأمر بالسحر والتمويه ، بل الإذن في تقديم ما هم فاعلوه البتة ؛ توسلا به إلى إظهار الحق وإبطال الباطل ، فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ ، وكانوا سبعين ألف حبل وسبعين ألف عصا . وقيل : كانت الحبال اثنين وسبعين ، وكذا العصىّ . وَقالُوا بعد الإلقاء ، لما رأوها تتحرك وتقبل وتدبر : بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ ، قالوا ذلك ؛ لفرط اعتقادهم في أنفسهم ، وإتيانهم بأقصى ما يمكن أن يؤتى به من السحر ، أقسموا بعزته وقوته ، وهو من أيمان الجاهلية . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : السحر على قسمين : سحر القلوب إلى حضرة الحق ، وسحر النفوس إلى عالم الخلق ، أو : إلى عالم الخيال . فالأول : من شأن العارفين بالله ، الداعين إلى اللّه ، فهم يسحرون قلوب من أتى إليهم إلى حضرة القدس ، ومحل الأنس ، فيقال في شأنهم : فجمع السحرة بقلوبهم ، إلى ميقات يوم معلوم ، وهو يوم الفتح والتمكين ، أو يوم النفحات ، عند اتفاق جمعهم في مكان معلوم . وقيل للناس ، وهو عوام الناس : هل أنتم مجتمعون لتفيقوا من سكرتكم ، وتتيقظوا من نوم غفلتكم ، لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين ، ولا شك في غلبتهم ونصرهم ؛ لقوله تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ « 2 » . ثم ذكر إبطال سحرهم ، وإسلامهم ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 45 إلى 51 ] فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ ( 45 ) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 46 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 47 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 48 ) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 49 ) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 )

--> ( 1 ) الآية 65 من سورة طه . ( 2 ) من الآية 40 من سورة الحج .