ابن عجيبة

125

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : طسم ، الطاء تشير إلى طهارة سره - عليه الصلاة والسلام - ، والسين تشير إلى سيادة قدره ، والميم إلى مجادة أمره ، وهذا بداية الشرف ونهايته . أو : الطاء تشير إلى التنزيه للقلب ، من حيث هو ، والتطهير . والسين تشير إلى تحليته بالسر الكبير ، والميم تشير إلى تصرفه في الملك والملكوت بإذن العلى الكبير . وهذه بداية السير ونهايتة ، فيكون حيئذ عارفا بالله ، خليفة رسول اللّه في العودة إلى اللّه ، فإن حرص على هداية الخلق فيقال له : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ، فلو شاء ربك لهدى الناس جميعا ، ولا يزالون مختلفين ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ . وبالله التوفيق . ثم ذكر دلائل قدرته على ما ذكر ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 7 إلى 9 ] أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ( 7 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 8 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 9 ) قلت : الهمزة : للإنكار التوبيخي ، والواو : للعطف على مقدر يقتضيه المقام ، أي : أفعلوا ما فعلوا من الإعراض والتكذيب ، ولم ينظروا إلى عجائب الأرض . . إلخ . و ( كم ) : خبرية منصوبة بما بعدها على المفعولية . يقول الحق جل جلاله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أي : ينظروا إِلَى عجائب الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ؛ أي : من كل صنف محمود كثير المنفعة ، يأكل منه الناس والأنعام . وتخصيص النبات بالذكر ، دون ما عداه من الأصناف ؛ لاختصاصه بالدلالة على القدرة والنعمة معا . ويحتمل أن يراد به جميع أصناف النبات ؛ نافعها وضارها ، ويكون وصف الكل بالكرم ؛ للتنبيه على أنه تعالى ما أنبت شيئا إلا وفيه فائدة ، إما وحده ، أو بانضمامه إلى غيره ، كما نطق به قوله تعالى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً « 1 » ؛ فإن الحكيم لا يكاد يفعل فعلا إلا وفيه حكمة بالغة ، وإن غفل عنه الغافلون ، ولم يتوصل إلى معرفة كنهه العاقلون . وفائدة الجمع بين كلمتي الكثرة والإحاطة ، وهما « كم » و « كلّ » ؛ أنّ كلمة « كلّ » تدل على الإحاطة بأزواج النبات ؛ على سبيل التفصيل ، و « كم » تدل على أنّ هذا المحاط متكاثر ، مفرط الكثرة ، وبه نبّه على كمال قدرته . إِنَّ فِي ذلِكَ الإنبات ، أو : كل صنف من تلك الأصناف لَآيَةً عظيمة دالة على كمال قدرته ، وسعة علمه وحكمته ، ونهاية رحمته الموجبة للإيمان ، الوازعة عن الكفر والطغيان . وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ أي : أكثر قومه - عليه الصلاة والسلام - مُؤْمِنِينَ في علم اللّه تعالى وقضائه ، حيث علم أنهم سيصرفون عنه ، ولا يتدبرون في هذه الآيات العظام . وقال سيبويه : « كان » : صلة ، والمعنى : وما أكثرهم مؤمنين ، وهو الأنسب بمقام

--> ( 1 ) من الآية 29 من سورة البقرة .