ابن عجيبة

126

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

عتوهم وغلوهم في المكابرة والعناد ، مع تعاضد موجبات الإيمان من جهته تعالى . وأما نسبة كفرهم إلى علمه تعالى وقضائه فربما يتوهم أنهم معذرون فيه بحسب الظاهر ؛ لأن التفريق بين القدرة والحكمة ، اللتين هما محل التحقيق والتشريع ، قد خفى على مهرة العلماء ، فضلا عن غيرهم . فالحكم بزيادة « كان » أقرب ؛ كأنه قيل : إن في ذلك لآية باهرة موجبة للإيمان ، وما أكثرهم مؤمنين مع ذلك ؛ لغاية عتوهم وعنادهم . ونسبة عدم الإيمان إلى أكثرهم ؛ لأن منهم من سبق له أنه يؤمن . وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ؛ الغالب على كل ما يريد من الأمور ، التي من جملتها : الانتقام من هؤلاء ، الرَّحِيمُ ؛ المبالغ في الرحمة ، ولذلك يمهلهم ، ولا يؤاخذهم بغتة بما اجترءوا عليه من العظائم الموجبة لفنون العقوبات . وفي التعرض لوصف الربوبية ، مع الإضافة إلى ضميره - عليه الصلاة والسلام - ، من تشريفه والعدة الحقيّة « 1 » بالانتقام من الكفرة ما لا يخفى . قاله أبو السعود . الإشارة : أو لم يروا إلى أرض النفوس الطيبة ، كم أنبتنا فيها من كل صنف من أصناف العلوم الغريبة ، والحكم العجيبة ، بعد أن كانت ميتة بالجهل والغفلة ، إنّ في ذلك لآية ظاهرة على وجود الخصوصية فيها ، وعلى كمال من عالجها حتى ظهرت عليها . أو : أولم يروا إلى أرض العبودية ، كم أنبتنا فيها من أصناف الآداب المرضية ، والمقامات اليقينية ، والمكاشفات الوهبية ، إن في ذلك لأية ، وما كان أكثرهم مؤمنين بهذه الخصوصية عند أربابها ، وإن ربك لهو العزيز الرحيم ، يعز من يشاء ، ويرحم بها من يشاء . وبالله التوفيق . ثم شرع في قصص الأنبياء ؛ تسلية لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وبدأ بموسى عليه السّلام ؛ لشدة معالجته لقومه ، فقال : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 10 إلى 17 ] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 10 ) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَ لا يَتَّقُونَ ( 11 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ ( 12 ) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ ( 13 ) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ ( 14 ) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ ( 15 ) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 16 ) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ ( 17 ) يقول الحق جل جلاله : وَ اذكر يا محمد إِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أي : وقت ندائه إياه ، وذكّر قومك بما جرى على قوم فرعون بسبب تكذيبهم ؛ زجرا لهم ، وتحذيرا من أن يحيق بهم مثل ما حاق بإخوانهم المكذبين .

--> ( 1 ) في تفسير أبى السعود : « الخفية » .