ابن عجيبة
115
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والمشاهدة ، والمعاينة . وجعل فيها سراجا ، أي : شمس العرفان لأهل الإحسان ، وقمرا منيرا ، وهو توحيد البرهان لأهل الإيمان . وهو الذي جعل ليل القبض ونهار البسط خلفة ، يخلف أحدهما الآخر ، لمن أراد أن يذكر في ليل القبض ، ويشكر في نهار البسط . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر أهل الذّكر والشكر ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 63 إلى 67 ] وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً ( 63 ) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 66 ) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) قلت : و ( عباد ) : مبتدأ ، و ( الذين ) وما بعده : خبر . وقيل : ( أولئك يجزون ) . و ( هونا ) : حال ، أو : صفة ، أي : يمشون هينين ، أو : مشيا هونا . يقول الحق جل جلاله : وَعِبادُ الرَّحْمنِ أي : خواصه الذين يسجدون ويخضعون للرحمن ، الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً أي : بسكينة وتواضع ووقار ، قال الحسن : يمشون حلماء علماء مثل الأنبياء ، لا يؤذون الذر ، في سكون وتواضع وخشوع ، وهو ضد المختال الفخور المرح ، الذي يختال في مشيه . وقال ابن الحنفية : أصحاب وقار وعفة ، لا يسفهون ، وإن سفه عليهم حلموا . و « الهون » في اللغة : الرفق واللين . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم : « أحبب حبيبك هونا ما ، عسى أن يكون بغيضك يوما ما . وأبغض بغيضك هونا ما ، عسى أن يكون حبيبك يوما ما » « 1 » . وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ أي : السفهاء بما يكرهون ، قالُوا سَلاماً ؛ سدادا من القول ، يسلمون فيه من الإيذاء والإثم والخنا . أو : سلمنا منكم سلاما ، أو : سلموا عليهم سلاما ، دليله قوله تعالى : وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ « 2 » ، ثم
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( البر والصلة ، باب ما جاء في الاقتصاد في الحب والبغض 4 / 316 ، ح 1997 ) ، من حديث أبي هريرة ، وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان ( باب الاقتصاد في النفقة ، 5 / 260 ، ح / 6593 ) عن سيدنا علىّ ، موقوفا . ( 2 ) من الآية 55 من سورة القصص .