ابن عجيبة
114
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : تَبارَكَ أي : تعاظم الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وهي البروج الإثنا عشر : الحمل ، والثور ، والجوزاء ، والسرطان ، والأسد ، والسنبلة ، والميزان ، والعقرب ، والقوس ، والجدى ، والدلو ، والحوت . وهي منازل الكواكب السبعة السيارة ، لكل كوكب بيتان ، يقوى حاله فيهما ، وللشمس بيت ، وللقمر بيت ، فالحمل والعقرب بيتا المريخ ، والثور والميزان بيتا الزهرة ، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد ، والسرطان بيت القمر ، والأسد بيت الشمس ، والقوس والحوت بيتا المشترى ، والجدى والدلو بيتا زحل . وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع ليصيب كل واحدة منها ثلاثة بروج ، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية ، والثور والسنبلة والجدى مثلثة أرضية ، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية ، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية . سميت بالبروج التي هي القصور العالية ؛ لأنها ، لهذه الكواكب ، كالمنازل الرفيعة لسكانها . واعتبر بزيادة البحر عند زيادة القمر ونقصه عند نقصه ، فإن بيت القمر - وهو السرطان - مائي ، وذلك من إمداد الأسماء لا بالطبع . وتذكر : « وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم . . » إلخ . قاله في الحاشية . واشتقاق البروج من التبرج ، الذي هو الظهور ؛ لظهورها ، ولذلك قال الحسن وقتادة ومجاهد : البروج : النجوم الكبار ؛ لظهورها . وَجَعَلَ فِيها سِراجاً أي : الشمس ، لقوله تعالى : وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً « 1 » . وقرأ الأخوان : « سرجا » . ويراد : النجوم الكبار والشمس ، وَقَمَراً مُنِيراً أي : مضيئا بالليل . وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي : ذو خلفة ؛ يخلف كل واحد منهما الآخر ، بأن يقوم مقامه ، فيما ينبغي أن يعمل فيه ، فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر . قال قتادة : فأروا اللّه تعالى من أعمالكم خيرا في هذا الليل والنهار ، فإنهما مطيتان تقحمان الناس إلى آجالهم ، تقربان كل بعيد ، وتبليان كل جديد ، وتجيئان بكل موعود . وقال رجل لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : فاتتنى الصلاة الليلة ، فقال : أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك ، فإن اللّه تعالى جعل الليل والنهار خلفة لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ . ه « 2 » . أي : يتذكر آلاء اللّه - عز وجل - ، ويتفكر في بدائع صنعه ، [ فيعلم ] « 3 » أنه لا بد له من صانع حكيم . وقرأ حمزة وخلف : « يذكر » أي : يذكر اللّه في قضاء ما فاته في أحدهما ، أَوْ أَرادَ شُكُوراً أي : شكر نعمة ربه عليه فيهما ، فيجتهد في عمارتها بالطاعة ؛ شكرا . وبالله التوفيق . الإشارة : تبارك الذي جعل في سماء القلوب أو الأرواح بروجا ؛ منازل ينزلها السائر ، ثم يرحل عنها ، وهي مقامات اليقين ؛ كالخوف ، والرجاء ، والورع ، والزهد ، والصبر ، والشكر ، والرضا ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ،
--> ( 1 ) الآية 16 من سورة نوح . ( 2 ) أخرج الطبري ( 19 / 30 ) عن شقيق . ( 3 ) في الأصول : [ فيهم ] . والمثبت : من تفسير البيضاوي وأبى السعود .