ابن عجيبة

113

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وألطف من هذا أن يكتفى بعلم اللّه ، فيشتغل بمولاه ، ولا يلتفت إلى إنجاز وعد ولا ضمان ، فيكل أمره إلى اللّه ، وهذه حالة التسليم . وفوق هذه : التفويض ، وهو أن يكل أمره إليه ، ولا يختار حالا على حال ، فيشتغل بمولاه ويغيب عن نفسه وعن كل ما سواه ، يعلم أنه مملوك لسيّده ، والسيّد أولى من العبد بنفسه . فإذا ارتقى عن هذه الحالة وجد الراحة في المنع ، ويستعذب ما يستقبله من الرّدّ ، فهي رتبة الرضا ، ويحصل له في هذه الحالة ، من فوائد الرضا ومطالعته ، ما لا يحصل لمن دونه من الحلاوة في وجود المقصود . وبعد هذا : الموافقة ؛ وهو ألا يجد الراحة في المنع ولا في العطاء ، وإنما يجد حلاوة نسيم القرب ، وزوائد الأنس بنسيان كل أرب . فكما أن حلاوة الطاعات تتصاغر عند برد الرضا - ويعدّون ذلك حجابا - كذلك أهل الأنس بالله يعدّون الوقوف مع حلاوة الرضا والاشتغال بلطائفه نقصانا وحجابا . ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة ، بما يأخذ العبد عن جملته بالكلية ، فيعبر عن هذه الحالة بالخمود ، والاستهلاك ، والوجود ، والاصطلام ، والفناء ، - وهذا هو عين التوحيد الخاص - فعند ذلك لا أنس ، ولا هيبة ، ولا لذة ، ولا راحة ، ولا وحشة ، ولا آفة . يعنى : تغيب المقامات بلذاتها وراحتها ، عند تحقق الفناء ، ثم قال : هذا بيان ترتيبهم ، فأمّا ما دون ذلك ؛ فالإخبار عن أحوال المتوكلين ، على تباين شرفهم ، يختلف على حسب اختلاف حالهم . انتهى بالمعنى . وقال أيضا : ويقال : التوكل في الأسباب الدنيوية ينتهى إلى حدّ ، وأما التوكل على اللّه في إصلاح آخرته : فهو أشدّ غموضا وأكثر خفاء ، فالواجب ، في الأسباب الدنيوية ، أن يكون السكون عند طلبها غالبا ، والحركة تكون ضرورة ، وأما في أمر الآخرة وما يتعلق بالطاعة ، فالواجب البدار والجدّ والانكماش ، والخروج عن أوطان الكسل ، وترك الجنوح إلى الفشل . والذي يوصف بالتواني في العبادات والتباطؤ في تلافى ما ضيّعه من إرضاء الخصوم ، والقيام بحقّ الواجبات ، ثم يعتقد في نفسه أنه متوكّل على اللّه ، فهو متمن معلول الحال ، ممكور مستدرج ، بل يجب أن يبذل جهده ، ويستفرغ وسعه ، ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته ، ولا يستند إلى سكونه وحركته ، ويتبّرأ من حوله وقوّته ، ثم يحسن الظنّ بربّه . ومع حسن ظنه بربّه لا ينبغي أن يخلو من مخافته ، اللهم إلا أن يغلب على قلبه ما يشغله في الحال ؛ من كشوفات الحقائق عن الفكرة في العواقب ؛ فإن ذلك - إذا حصل - فالوقت غالب ، وهو أحد ما قيل في قولهم : الوقت سيف . ه . ثم ذكر من أوصاف الرحمن ، الذي نفر المشركون عن الخضوع له ، ما يبين عظمته وكبرياءه ، ونفوذ قدرته المستوجبة للخضوع والانقياد له ؛ ردا على امتناع الكفرة منه ، فقال : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 61 إلى 62 ] تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً ( 61 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ( 62 )