ابن عجيبة

109

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة الفرقان ( 25 ) : آية 53 ] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) قلت : أصل المرج : الخلط والإرسال ، ومنه قوله تعالى : فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ « 1 » ، وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « كيف بك يا عبد اللّه إذا كنت في حثالة من الناس ، قد مرجت عهودهم وأماناتهم ، وصاروا هكذا ، وشبّك بين أصابعه » « 2 » . يقال : مرجت دابته وأمرجتها : إذا أرسلتها في المرعى . ومنه قيل للروضة : مرج . يقول الحق جل جلاله : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ أي : أرسلهما ، وخلّاهما متجاورين متلاصقين غير متمازجين . هذا عَذْبٌ فُراتٌ أي : شديد العذوبة ، قامع للعطش ؛ لعذوبته ، أي : برودته ، وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ : بليغ الملوحة ، أو : هذا عذب لا ملوحة فيه ، وهذا ملح لا عذوبة فيه ، مع اتحاد جنسهما ، وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً ؛ حائلا بقدرته ، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ؛ لئلا يختلطا ، وَحِجْراً مَحْجُوراً أي : وسترا ممنوعا عن الأعين ، كقوله : حِجاباً مَسْتُوراً « 3 » ، أي : جعل بينهما حاجزا خفيا ؛ لئلا يغلب أحدهما الآخر ، أو : سدا ممنوعا يمنعهما فلا يبغيان ، ولا يفسد الملح العذب ، ولو خلّا اللّه تعالى البحر الملح ، ولم يلجمه بقدرته ، لفاض على الدنيا ، واختلط مع العذب وأفسده . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 54 إلى 55 ] وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) ثم ذكر دليلا آخر ، فقال : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ أي : النطفة بَشَراً ؛ إنسانا فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً . قسم البشر قسمين : ذوى نسب ، أي : ذكورا ، ينسب إليهم ، فيقال : فلان ابن فلان . وذوات صهر ، أي : إناثا يصاهر بهن ، فهو كقوله : فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى « 4 » . قال ابن جزى : والنسب : أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمّ ، قرب ذلك أو بعد . والصهر : هو الاختلاط بالتناكح . ه . وعن علي رضي اللّه عنه : النسب ما لا يحل نكاحه ، والصهر : ما يحل نكاحه . وعن الضحاك ومقاتل : النسب سبعة ، والصهر خمسة ، ثم قرأ هذه الآية : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ « 5 » . فالسبعة الأولى : نسب ، والباقي : صهر . ه . والأصح أن التسعة نسب ، والباقي صهر .

--> ( 1 ) من الآية 5 من سورة ق . ( 2 ) أخرجه ابن حبان ( الإحسان 7 / 575 ح 5920 ) عن أبي هريرة ، وأخرجه أحمد في المسند ( 2 / 162 ) ، وأبو داود في ( الملاحم ، باب الأمر والنهى ، 4 / 513 ، ح 4342 ) وابن ماجة في ( الفتن ، باب التثبت في الفتنة ، 2 / 1307 ح 3957 ) ، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنه . ( 3 ) من الآية 45 من سورة الإسراء . ( 4 ) من الآية 39 من سورة القيامة . ( 5 ) من الآية 23 من سورة النساء .