ابن عجيبة
110
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ؛ حيث خلق من النطفة الواحدة بشرا ذا نوعين ، ذكرا وأنثى ، أو : حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة ، وجعله قسمين متقابلين ؛ ذكرا وأنثى . وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، بعد هذا البرهان الواضح على توحيده ، ما لا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوه ، وَلا يَضُرُّهُمْ إن تركوه ، وهم الأصنام ، أو كل من عبد من دون اللّه ؛ إذ المخلوق كله عاجز ، وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ، الذي ذكر آثار قدرته ودلائل ربوبيته ، ظَهِيراً ؛ معينا ، يظاهر الشيطان ويعينه على الكفر والعصيان . والمعنى : أن الكافر ؛ بعبادة الصنم ، يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الرحمن . وقال ابن عرفة : أي : مظاهرا لأعداء اللّه على أولياء اللّه ، فتلك إعانته . ه . الإشارة : مرج البحرين ؛ بحر الشريعة وبحر الحقيقة ، فبحر الشريعة عذب فرات ؛ لأنه سهل المدارك ، يناله الخاص والعام ، وبحر الحقيقة ملح أجاج ؛ لأنه لا يناله إلا من ذاق مرارة فطام النفس من هواها ، ومجاهدتها في ترك مناها ، حتى تموت ثم تحيا ، فحينئذ تتلذذ بمشاهدة مولاها ، وتطيب حياتها في أخراها ودنياها . فبحر الحقيقة صعب المرام ، لا يركبه إلا الشجعان ، وفي ذلك يقول صاحب العينية رضي اللّه عنه : وإيّاك جزعا « 1 » لا يهولك أمرها * فما نالها إلّا الشّجاع المقارع والبرزخ الذي جعل بينهما : نور العقل ، يميز بين محل الشرائع ومحل الحقائق ، فيعطى كل ذي حق حقه ، ويوفى كل ذي قسط قسطه . ثم ذكر شأن الواسطة ، التي هي سبب لركوب البحرين ، فقال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً . . . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 56 إلى 57 ] وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) يقول الحق جل جلاله : وَما أَرْسَلْناكَ يا محمد إِلَّا مُبَشِّراً للمؤمنين وَنَذِيراً للكافرين ، قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ ؛ على تبليغ الرسالة مِنْ أَجْرٍ من جهتكم ، فتقولون : إنما يطلب محمد جمع أموالنا ، إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا أي : لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه طريقا توصله إليه ، بإنفاقه ماله في سبيل اللّه ، فليفعل وليعطه لغيره . وقيل : الاستثناء متصل ، أي : لا أسألكم عليه أجرا ، إلا فعل من يريد أن يتقرب إليه
--> ( 1 ) في العينية : حزما . انظر الديوان ( ص 78 ) .