ابن عجيبة

5

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الجزء الثالث سورة الرّعد مكية إلى قوله : وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، والباقي مدنى ، وقيل : مدنية كلها . وآيها : خمس وأربعون . ومناسبتها لما قبلها : قوله : ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى ، مع قوله تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ ؛ فإنه كالدليل على كونه غير مفترى . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * المر . . . . [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 1 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 1 ) قيل : معناه : أنا أعلم ، اللّه أعلم وأرى . وقيل : مختصرة من لفظ المرسل ، على عادة رمز المحبين . أو إشارة إلى العوالم الأربعة : فالألف لوحدة الجبروت ، واللام لتدفق أنوار الملكوت ، والميم لحس عالم الملك ، والراء لسريان أمداد الرحموت . قال تعالى : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ . . . قلت : تِلْكَ : مبتدأ ، و آياتُ : خبر ، و الَّذِي أُنْزِلَ : مبتدأ ، و الْحَقُّ : خبر ، والجملة الثانية كالحجة على الجملة الأولى . يقول الحق جل جلاله : أيها المرسل المعظم ، والحبيب المفخم ، تِلْكَ الآيات التي تتلوها على الناس هي آياتُ الْكِتابِ المنزل من حضرة قدسنا . وَ الكتاب أي : القرآن الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هو الْحَقُّ الذي لا ريب فيه ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ؛ لإخلالهم بالنظر والتأمل فيه . الإشارة : لو صفت القلوب من الأكدار ، وملئت بالمعارف والأنوار ؛ لفهمت أسرار الكتاب ، وجواهر معانيه ، ولأدركت معرفة الحق من كلامه ؛ لأن الكلام صفة المتكلم ، ولكن أكثر الناس اشتغلوا بمتابعة الهوى ، فصرفوا عن فهم الكلام ، وفاتهم معرفة المتكلم ، ولذلك لم يكتف الحق تعالى بآيات الكتاب حتى ذكر دلائل توحيده وكمال قدرته ، فقال : [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 2 ] اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ( 2 )