ابن عجيبة

6

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : اللَّهُ : مبتدأ ، و الَّذِي رَفَعَ : خبره ، ويجوز أن يكون الموصول صفة ، والخبر : يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ، و عَمَدٍ : اسم جمع عمود ، وقياس جمعه : عمد ، كرسول ورسل ، وشهاب وشهب ، وليس جمعا خلافا لأبى عبيد . قاله ابن عطية . وقال البيضاوي : جمع عماد ، كإهاب وأهب . وجملة : تَرَوْنَها : إما حال ، أو استئنافية ؛ فالضمير للسماوات ، وإما صفة لعمد فالضمير لها ، أي : ليس لها عمد مرئية ، فيقتضى بالمفهوم أن لها عمدا لا ترى . وقيل : إن عمدها جبل قاف المحيط بالدنيا . والجمهور : أنه لا عمد لها البتة . فالمراد نفى العمد ، ونفى رؤيتها . قاله ابن جزى . يقول الحق جل جلاله مستدلا على وجوده ، وكمال قدرته : اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ فوقكم كالسقف المرفوع بِغَيْرِ عَمَدٍ : أساطين ، بل بقدرة أزلية ، تَرَوْنَها مرفوعة فوقكم . أو بغير عمد مرئية ، بل بعمد خفية ، وهي : أسرار الذات العلية ؛ إذ لا فاعل سواه . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ استواء استيلاء وإحاطة ، حتى صار العرش غيبا في إحاطة قهريته وأسرار ذاته . وقد كانت العرب تجعل لملوكها سريرا يجلسون عليه لتدبير المملكة ، فخاطبنا الحق تعالى بقدر ما نفهم « 1 » ، ولذلك رتب عليه قوله : وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ؛ لأن هذا من تدبير ملكه ، أي : ذللهما لما أراد منهما ، كالحركة المستمرة على حد من السرعة ؛ لينتفع بهما عباده في معاشهم ومعالم دينهم . كُلٌّ منهما يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى : لمدة معينة تتم فيها أدواره ، أو لغاية مضروبة ينقطع فيها سيرهما ؛ وهي يوم القيامة حين تكوّر الشمس والقمر . يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ؛ أمر ملكه من الإيجاد والإعدام ، والإحياء والإماتة ، وغير ذلك ، يُفَصِّلُ الْآياتِ : ينزلها ، ويبين معانيها مفصلة ، أو يحدث الدلائل واحدا بعد واحد ؛ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ : لكي تتفكروا فيها ، وتتحققوا كمال قدرته ، فتعلموا أنّ من قدر على خلق هذه الأشياء وتدبيرها قادر على الإعادة والجزاء . الإشارة : اللّه الذي رفع سماوات الأرواح ، وزينها بنجوم العلم وقمر التوحيد ، وأشرق عليها شموس العرفان وأسرار التفريد ، ثم استوى بأسرار ذاته وأنوار صفاته على العرش ، وهو قلب العارف ؛ لأنه سرير المعرفة ، ومحل بيت الرب ، وسخر شمس المعرفة وقمر التوحيد ، يجريان بالترقي إلى محل التمكين ، وهو الأجل المسمى لهما ، يدبر أمر السير والترقي ، ويفصّل دلائل الطريق الموصلة إلى عين التحقيق ؛ لعلكم بالوصال إلى ربكم توقنون ، حين يكون ذوقا وكشفا . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر العالم السفلى ، فقال : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 3 إلى 4 ] وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 3 ) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( 4 )

--> ( 1 ) سئل الإمام مالك ، عن الاستواء على العرش ، فقال : ( الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب . . ) ، وإذا كان علم حقيقة الصفات فرع عن علم حقيقة الذات المقدسة ، وإذا كنا لا نحيط بالله علما ، فإننا لن نحيط بصفات الله علما ، كذلك ، فنقول : آمنا به ، كلّ عند ربنا .