ابن عجيبة

14

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

المثقل بالمطر الحاملة له ، وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ أي : متلبسا بحمده ، يقول : سبحان اللّه وبحمده . أو : يدل الرعد بنفسه على وحدانيته تعالى وكمال قدرته ، ملتبسا بالدلالة على كمال فضله ، ونزول رحمته . وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : سئل النبي صلى اللّه عليه وسلم عن الرعد ؛ فقال : « ملك موكّل بالسّحاب ، له مخاريق من نار يسوق السّحاب » « 1 » . وَ تسبح أيضا الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ أي : من خوفه وإجلاله ، وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ ؛ نار تنزل من السماء وقت ضرب الرعد ، فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ فيهلكه ، وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللَّهِ أي : الكفار ، حيث يكذبون رسوله فيما يصفه به من كمال العلم والقدرة ، والتفرد بالألوهية ، وبعث الناس وحشرهم للمجازاة ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ أي : شديد المكر بأعدائه ، الذين أرادوا أن يمكروا بنبيه - عليه الصلاة والسّلام - . روى أن عامر بن الطّفيل وأريد بن ربيعة وفدا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاصدين لقتله ، فأخذ عامر بالمجادلة مع سيدنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليشغله ، ودار أربد من خلفه ؛ ليضربه بالسيف ، فتنبه له الرسول - عليه الصلاة والسّلام - وقال : « اللّهمّ اكفنيهما بما شئت » ، فأرسل اللّه على أربد صاعقة فقتلته ، ورمى عامر بغدة ، فمات في بيت امرأة سلوليّة ، فكان يقول : غدّة كغدّة البعير ، وموت في بيت امرأة س‌لوليّة ! فنزلت الآية من أولها « 2 » ، وهو قوله : لَهُ مُعَقِّباتٌ . . . إلخ ، على قول . الإشارة : من جريان حكمته تعالى في خلقه أنه لا يسلب النعم عنهم إلا بسوء أدب منهم ، كلّ على قدر مقامه ، فالنعم الظاهرة يسلبها بترك الطاعة الظاهرة ، أو بالمخالفة الظاهرة ، والنعم الباطنة يسلبها بترك المراقبة الباطنة أو المشاهدة الباطنة . فلكل مقام حقوق وآداب ؛ فمن أخلّ بحقوق مقام نقص له منه ، إلا أن يتوب . وقد يسئ الأدب فتؤخر العقوبة عنه ، فيظن أنه لم يسلب . ولو لم يكن إلا ترك المزيد . وقد يبعد ، وهو لا يشعر ، ولو لم يكن إلا وتركه وما يريد . كما في الحكم . : « إن اللّه لا يغير ما في القلوب من أنوار الشهود والعيان ، حتى يغيروا ما بأنفسهم من حسن الأدب بسوء الأدب » . وهذا ما لم يتحقق له مقام المحبوبية والتمكن مع اللّه في المعرفة . وإلا فالرعاية والعناية محفوفة بقلبه ، فقد يبلغ الولي إلى مقام يقال له : افعل ما شئت فقد غفرت لك ، كما وقع لأهل بدر ، وراجع ما تقدم عند قوله : أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ « 3 » وقد يغير اللّه قلب عبده اختبارا له ، فيسلبه حلاوة المعاملة أو المعرفة ، فإن هو اضطرب وتضرع ردّ له حاله ، وإن لم يضطرب ولم يفزع إلى اللّه لم يرد له شيئا . وإليه الإشارة بقوله : وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ . . . الآية .

--> ( 1 ) أخرجه في سياق طويل ، أحمد في المسند ( 2 / 274 ) والترمذي في ( تفسير سورة الرعد ) ، وقال : حسن غريب . ( 2 ) أخرجه ابن جرير في التفسير ( 13 / 126 ) عن ابن عباس رضى اللّه عنه في سياق أطول من هذا . وهو ضعيف لوجود السدى والكلبي في السند . ( 3 ) الآية 82 من سورة الأنعام .