ابن عجيبة
15
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
هو الذي يريكم برق لمعان أنوار المشاهدة ، عند الاستشراف على الحضرة القدسية ، خوفا من الرجوع ؛ لعدم إطاقة ذلك النور ، وطمعا في الوصول إلى التمكين ، فلا يزال تترادف عليه البروق حتى يستمر ذلك كبرق متصل ، وهي أنوار المواجهة . وينشئ سحاب الواردات ثقالا بالعلوم والأسرار ، ويرسل الصواعق تصعق وجود الحس عن أسرار المعاني ، فيصيب بها من يشاء ممن سبقت له العناية . وأهل الإنكار والتكذيب بطريق الخصوص يجادلون في اللّه بتكذيب أوليائه وإنكار هذه الأنوار ، وهو شديد المحال ، فيمكر بهم ويتركهم في مقام البعد ، وهم لا يشعرون . ومن جملة التغيير الذي يسلب النعم ويوجب النقم : الركون إلى غير اللّه بالدعاء وغيره ، كما قال تعالى : [ سورة الرعد ( 13 ) : الآيات 14 إلى 15 ] لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَما هُوَ بِبالِغِهِ وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ ( 14 ) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 15 ) يقول الحق جل جلاله : لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ؛ لأنه الذي يحق أن يدعى فيجيب ، دون غيره ؛ فإنما له الدعاء الباطل ؛ لأنه يدعى فلا يسمع ولا يجيب . أو : له دعوة الحق ، وهي كلمة التوحيد ؛ « لا إله إلا اللّه » ، فمن دعا إليها فقد دعا إلى الحق . والأول أرجح ؛ لمناسبة قوله : وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ ، أي : والأصنام الذين يدعونهم من دونه لا يستجيبون لهم بشئ مما طلبوا ، أو : والمشركون الذين يدعون أصناما من دون اللّه لا يستجيبون لهم بشئ ، فحذف المفعول ؛ للدلالة عليه ، فلا يستجيبون لهم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ ؛ إلا استجابة كاستجابة من بسط كفيه إلى الماء يشير إليه ، لِيَبْلُغَ فاهُ ؛ أي : يطلب منه أن يصعد إليه ويبلغ فاه وَما هُوَ بِبالِغِهِ أي : ليس الماء ببالغ فاه ؛ لأنه جماد لا يشعر بدعائه ، ولا يقدر على إجابته من حيث هو ، شبّه إجابة الأصنام لمن عبدهم بإجابة الماء لمن بسط إليه كفه ، وأشار إليه بالإقبال إلى فيه ، ولا يبلغ فاه أبدا ؛ لأنه جماد لا يسمع ولا يعقل ، وكذلك الأصنام لا تسمع ولا تجيب من بسط إليها يده ليطلب منها ؛ لأنها خشب وأحجار . وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ للأصنام إِلَّا فِي ضَلالٍ وخسران وضياع . ثم ذكر الحقيق بالعبادة والطلب ، فقال : وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً يحتمل أن يكون السجود حقيقة ، فالملائكة والمؤمنون يسجدون طوعا في الشدة والرخاء ، والكفار يسجدون كرها في الشدة والضرورة . أو يكون مجازا ؛ وهو : انقيادهم لما أراد منهم ، شاءوا أو كرهوا . وَ تسجد أيضا ظِلالُهُمْ ؛ بانقيادها للّه تعالى في طولها وقصرها ، وميلها من جانب إلى جانب ، بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ، أي : طرفي النهار . وخصّ هذان الوقتان - وإن كان سجودهما دائما - ؛ لأن الضلال إنما تعظم وتكبر فيهما . وقال الواحدي : كل شخص مؤمن أو كافر ظله يسجد للّه تعالى ، ونحن لا نقف على كيفية ذلك . ه .