ابن عجيبة

99

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ما تمكّنوا بها من أنواع التصرف فيها ؛ فقد مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ يا أهل مكة ، فقد جعلنا لهم من السعة وطول المقام ما لم نجعله لكم ، أو أعطيناهم من القوة والسّعة في المال والاستظهار على الناس بالعدّة والعدد وتهيّؤ الأسباب ما لم نجعله لكم ، . وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ أي : المطر أو السحاب عَلَيْهِمْ مِدْراراً أي : مغزارا على قدر المنفعة بحسب الحاجة ، وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ أي : أجرينا الأودية من تحت ديارهم وأراضيهم ، فعاشوا في الخصب والريف ، بين الأنهار والثمار ، فعصوا وطغوا وبطروا النعمة ، فلم يغن ذلك عنهم شيئا . فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا أي : أحدثنا ، مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ بدلا منهم . والمعنى : أنه تعالى كما قدّر أن يهلك من تقدم من القرون ، بعد أن مكّنهم في البلاد واستظهروا على العباد ، كعاد وثمود ، وأنشأ بعدهم آخرين عمّر بهم بلاده ، يقدر أن يفعل ذلك بكم يا معشر الكفار المعاصرين لمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم . الإشارة : النظر والاعتبار يوجب للقلب الرقّة والانكسار . وهي عبادة كبرى عند العباد والزهاد ، أولى العزم والاجتهاد . وفوقها : فكرة الشهود والعيان ، وهي الفكرة التي تطوى وجود الأكوان ، وتغيب الأواني بظهور المعاني ، أو تريها حاملة لها قائمة بها ، فالأولى فكرة تصديق وإيمان ، والثانية فكرة شهود وعيان . وبالله التوفيق . ثم ذكر عنادهم ، وأنهم لا تنفع فيهم المعجزة ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ يا محمد كِتاباً مكتوبا فِي قِرْطاسٍ أي : رقّ ، فرأوه بأعينهم ، ولمسوه بأيديهم ، حتى لا يبقى فيه تزوير ، لعاندوا ، و لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا منهم بعد ذلك : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ؛ تعنتا وعنادا ، وتخصيص اللمس ؛ لأن التزوير لا يقع فيه ، فلا يمكنهم أن يقولوا : إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا ، وتقييده بالأيدي لدفع التجوز ، فإنه قد يتجوز فيه فيطلق على الفحص كقوله : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ « 1 » . ثم اقترحوا معجزة أخرى ، وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يكلمنا أنه نبي ، فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً أو شهيدا له بالرسالة ، روى أن العاص بن وائل والنضر بن الحارث وزمعة بن الأسود هم الذين سألوا ذلك . قال تعالى :

--> ( 1 ) من الآية 8 من سورة الجن .