ابن عجيبة
100
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً ، كما طلبوا لَقُضِيَ الْأَمْرُ بهلاكهم ، فإنّ سنة اللّه جرت بذلك فيمن قبلهم ؛ مهما اقترحوا آية ، فظهرت ثم كفروا ، عجّل اللّه هلاكهم ، ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ أي : لا يمهلون بعد نزولها ساعة . وعلى تقدير لو أنزلنا عليهم الملك - كما اقترحوا - فلا يمكن أن يظهر إلا على صورة البشر ليطيقوا رؤيته ، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا ليتمكنوا من رؤيته ، كما مثّل جبريل في صورة دحية ، فإن القوة البشرية لا تقوى على رؤية الملائكة . وإنما رأوهم كذلك الأفراد من الأنبياء ، لامتلاء أسرارهم بالأنوار القدسية ، فإذا ظهر على صورة البشر التبس الأمر عليهم فقالوا : إنما هو بشر لا ملك . فهذا معنى قوله : وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ أي : لخلطنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم وعلى ضعفائهم ، أو لفعلنا لهم في ذلك فعلا ملبسا يطرق لهم إلى أن يلبسوا به على أنفسهم وضعفائهم ؛ فإن عادة اللّه في إظهار قدرته أن تكون مرتدية برداء حكمته ؛ ليبقى سر الربوبية مصونا ، فمن سبقت له العناية خلق اللّه في قلبه التصديق بها ، حتى علمها ضرورة ، وغيره يلبس الأمر عليه فيها . وبالله التوفيق . الإشارة : كرامات الأولياء كمعجزات الأنبياء ، لا تظهر إلّا لأهل الصدق والتصديق ، ولا يتحقق بولايتهم إلّا من سبق له الوصول إلى عين التحقيق . « سبحان من لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه ، ولم يوصل إليهم إلا من أراد أن يوصله إليه » ، فأهل الإنكار عليهم لا يرون إلا ما يقتضى البعد عنهم . وأهل الإقرار لا يرون إلا ما يقتضى القرب منهم والمحبة فيهم . واللّه تعالى أعلم . ثم سلّى رسوله - عليه الصلاة السلام - فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 10 ] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 10 ) قلت : حاق يحيق حيقا ، أي : نزل وأحاط ، و ( منهم ) : يتعلق بسخروا ، و ( ما كانوا ) : الموصول اسمى أو حرفى . يقول الحق جل جلاله في تسلية رسوله صلّى اللّه عليه وسلّم : وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ كثير مِنْ قَبْلِكَ فصبروا على أذى قومهم حتى أهلكهم اللّه ، فَحاقَ أي : أحاط بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي : نزل بهم العذاب الذي كانوا يستهزءون به ويستبعدونه ، أو : نزل بهم وبال استهزائهم وهو الهلاك . الإشارة : كل ما سليّت به الرسل تسلّى به الأولياء ، فما من ولى صدّيق إلا ابتلاه اللّه بتسليط الخلق عليه ؛ حتى ترحل روحه عن هذا العالم لضيقه عليها ، وتتمكن من شهود عالم الملكوت ، فإذا طهرت منه البقايا ، وكملت فيه المزايا ، ردّه إليهم غنيّا عنهم ، وغائبا عنهم ، جسمه مع الخلق وقلبه مع الحق . هذه سنة اللّه في أوليائه ، فكل ولىّ يتسلى بمن قبله في إيذاء الخلق له . غير أن أولياء هذه الأمة إذا كمل مقامهم صاروا على قدم نبيهم ، يكونون رحمة