ابن عجيبة

98

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذم من أعرض عن دلائل توحيده ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 4 إلى 5 ] وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ( 4 ) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 5 ) قلت : ( من ) الأولى : مزيدة للاستغراق ، والثانية للتبعيض . يقول الحق جل جلاله : وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ دالّة على توحيد اللّه وكمال صفاته ، إلا أعرضوا عنها ، أي : الكفار ، أو : ما تأتيهم معجزة من المعجزات الدالة على قدرة اللّه وصدق رسوله ، أو : ما تأتيهم آية من آيات القرآن تدل على وحدانيته وكمال ذاته ، إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ؛ تاركين للنظر فيها ، غير ملتفتين إليها . فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ وهو القرآن لَمَّا جاءَهُمْ ، وهو كالدليل لما قبله ، لأنهم لمّا كذبوا بالقرآن - وهو أعظم الآيات - فكيف لا يعرضون عن غيره من الآيات ؟ ثم هدّدهم بقوله : فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ أي : أخبار ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ أي : سيظهر لهم ، عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة ، ما كانوا يستهزئون به من البعث والحساب ، أو عند ظهور الإسلام وارتفاعه . الإشارة : من سبق له الخذلان لا تنفعه الأدلة وتواتر البرهان ، ولا تزيده ظهور المعجزات أو الكرامات إلا التحاسد وظهور العداوات ، ولا يزيده الدعاء إلى اللّه والتناد ، إلّا الإعراض عنه والبعاد ، نعود بالله من الشقاء وسوء القضاء . ثم أمر أهل الإنكار بالنظر والاعتبار ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 6 ] أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ( 6 ) قلت : ( كم ) : خبرية ، مفعول « أهلكنا » ، أي : كثيرا أهلكنا من القرون ، والقرن ؛ مدة من الزمان تهلك أشياخها وتقوم أطفالها ، واختلف في حدّها ، قيل : مائة ، وقيل : سبعون ، وقيل : ثمانون ، وقيل : القرن : أهل زمان فيه نبي أو فائق في العلم ، قلّت المدة أو كثرت ، مشتق من قرين الرجل . والمطر المدرار هو الغزير ، وهي من أمثلة المبالغة ، كمذكار وميناث . يقول الحق جل جلاله : أَ لَمْ يَرَوْا ببصائرهم رؤية اعتبار ، كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من أهل عصر مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أي : جعلناهم متمكنين فيها بالقرار والسكنى والطمأنينة فيها ، أو أعطيناهم من القوة والآلات