ابن عجيبة

97

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : القوالب من الطين ، والأرواح من نور رب العالمين ، فالطينية ظرف لنور الربوبية ، الذي هو الروح ؛ لأن الروح نور من أنوار القدس ، وسر من أسرار اللّه ، فمن نظّف طينته ولطّفها ظهرت عليها أسرار الربوبية والعلوم اللدنية ، وكشف للروح عن أنوار الملكوت وأسرار الجبروت ، وانخنست الطينية ، واستولت عليها الروح النورانية ، ومن لطّخ طينته بالمعاصي وكثّفها باتباع الشهوات ، انحجبت الأنوار واستترت ، واستولت الطينية الظّلمانية على الروح النّورانية ، وحجبتها عن العلوم اللدنية والأسرار القدسية ، بحكمته تعالى وعدله وظهور قهره . وبالله التوفيق . ثم برهن على وحدانيته الخاصة ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 3 ] وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ ( 3 ) قلت : ( هو ) : مبتدأ ، و ( اللّه ) : خبره . و ( في السماوات ) : خبر ثان ، أي : وهو اللّه كائن أو موجود في السماوات وفي الأرض بنوره وعلمه . قال تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ « 1 » . و ( يعلم سركم وجهركم ) : تقرير له . يقول الحق جل جلاله : هذا الذي اختص بالحمد وأبدع الكائنات كلها - هُوَ اللَّهُ ظاهر فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ بنوره وقدرته وعلمه وإحاطته ، فلا شريك معه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ من خير أو شر ، فيثيب عليه ويعاقب ، ولعله أراد بالسر والجهر ما يظهر من أحوال النفس ، وبالمكتسب أعمال الجوارح . فالآية الأولى دليل القدرة التي ختم بها السورة ، والآية الثانية دليل البعث ، والآية الثالثة دليل الوحدة . الإشارة : قال بعض العارفين : الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة ، والكيف ، والمادة ، والصورة ، ومع ذلك لا يخلو منه أين ، ولامكان ، ولا كم ، ولا كيف ، ولا جسم ، ولا جوهر ، ولا عرض . لأنه للطفه سار في كل شئ ، ولنوريته ظاهر في كل شئ ، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، غير متقيد بذلك ، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده ، فهو أعمى البصيرة ، محروم من مشاهدة الحق تعالى . ولابن وفا : هو الحقّ المحيط بكلّ شئ * هو الرحمن ذو العرش المجيد هو المشهود في الأشهاد يبدو * فيخفيه الشهود عن الشّهيد هو العين العيان لكلّ غيب * هو المقصود من بيت القصيد جميع العالمين له ظلال * سجود في القريب وفي البعيد وهذا القدر في التّحقيق كاف * فكفّ النّفس عن طلب المزيد

--> ( 1 ) من الآية : 35 من سورة النور .