ابن عجيبة

81

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : لا عبرة بالأحوال الظلمانية وإن كثرت ، وإنما العبرة بالأحوال الصافية ولو قلّت ، صاحب الأحوال الصافية موصول ، وصاحب الأحوال الظلمانية مقطوع ، ما لم يتب عنها ، قال بعض الحكماء : ( كما لا يصح دفن الزرع في أرض ردية ، لا يجوز الخمول بحال غير مرضية ) . والمراد بالأحوال الصافية : هي التي توافق مراسم الشريعة ؛ بحيث لا يكون عليها من الشارع اعتراض ، بأن تكون مباحة في أصل الشريعة ، ولو أخلت بالمروءة عند العوام ، إذ المروءة إنما هي التقوى عند الخواص ، والمراد بالأحوال ، كل ما يثقل على النفس وتموت به سريعا ، كالمشي بالحفا وتعرية الرأس ، والأكل في السوق ، والسؤال ، وغير ذلك من خرق عوائدها ، التي هي شرط في حصول خصوصيتها ، وفي الحكم : « كيف تخرق لك العوائد ؟ وأنت لم تخرق من نفسك العوائد » . وباللّه التوفيق ومن جملة الأحوال الرديئة : كثرة الخوض فيما لا يعنى ، التي أشار إليه بقوله : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 101 إلى 102 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ ( 102 ) قلت : الجملة الشرطية صفة لأشياء ، وأشياء اسم جمع لشئ ، أصله عند سيبويه : شيئاء ، مثل فعلاء ، قلبت إلى لفعاء ، أي : قلبت لامه إلى فائه ، لثقل اجتماع الهمزتين ، وقال أبو حاتم : أشياء وزنها أفعال ، وهو جمع شئ ، وترك العرف فيه سماع ، وقال الكسائي : لم ينصرف أشياء ، لشبه آخره بآخر حمراء ، انظر ابن عطية . وجملة ( عفا اللّه عنها ) : صفة أخرى لأشياء ، أي : عن أشياء عفا اللّه عنها ، ولم يكلف بها . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ ليس لكم فيها نفع ، إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ أي : إن تظهر لكم وتجابوا عنها تسؤكم ؛ بالأخبار بما لا يعجيكم وبما يشق عليكم ، قيل : سبب نزول الآية : كثرة سؤال الناس له صلّى اللّه عليه وسلّم من الأعراب والمنافقين والجهال ، فكان الرجل يقول للنبي - عليه الصلاة السلام - ؟ أين ناقتي ؟ وآخر يقول : ماذا ألقى في سفري ؟ ونحو هذا من التعنيت ، حتى صعد المنبر صلّى اللّه عليه وسلّم مغضبا ، فقال : « لا تسألوني اليوم عن شئ إلا أخبرتكم به » . فقام رجل فقال : أين أنا ؟ فقال : في النار ، وقام عبد اللّه بن حذافة - وكان يطعن في نسبه فقال : من أبى ؟ فقال : « أبوك حذافة » ، وقال آخر : من أبى ؟ قال : « أبوك سالم مولى شيبة » ، فقام عمر بن الخطاب ، فجثا على ركبتيه ، فقال : رضينا باللّه ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد نبيا نعوذ باللّه من الفتن . فنزلت هذه الآية « 1 » .

--> ( 1 ) أخرج بعضه البخاري في : ( مواقيت الصلاة ، باب وقت الظهر عند الزوال ) عن أنس ، وأخرجه مختصرا في ( التفسير - سورة المائدة ) عن ابن عباس ، وانظر فتح الباري ( ح 2621 ) والفتح السماوي ( 2 / 594 - 595 )