ابن عجيبة

76

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( فجزاء ) : مبتدأ ، والخبر محذوف ، أي : فعليه جزاء ، أو خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : فواجبه جزاء ، و ( مثل ) : صفته ، و ( من النعم ) : صفة ثانية لجزاء ، أي : فعلية جزاء مماثل حاصل من النعم ، ومن قرأ ( مثل ) بالجر ، فعلى الإضافة ، من إضافة المصدر إلى المفعول ، أي : فعليه أن يجزى مثل ما قتل ، أو يكون ( مثل ) مقحمة كما في قولهم : مثلي لا يقول كذا . وقرىء بالنصب ، أي : فليجزأ جزاء مماثلا . وجملة ( يحكم ) صفة لجزاء أيضا ، أو حال من ضمير الخبر . و ( هديا ) : حال من ضمير ( به ) ، أو من جزاء ؛ لتخصيصه بالإضافة أو الصفة فيمن نون ، و ( بالغ ) : صفة للحال ، أو بدل من مثل باعتبار محله ، أو لفظه فيمن نصبه ، أو ( كفارة ) عطف على ( جزاء ) إن رفعته ، وإن نصبت جزاء فهو خبر ، أي : وعليه كفارة ، و ( طعام مساكين ) : عطف بيان ، أو بدل منه ، أو خبر عن محذوف ، أي : هي طعام ، ومن جرا طعاما فبالإضافة للبيان ، كقوله : خاتم فضة ، أو ( عدل ) عطف على ( طعام ) فيمن رفعه ، أو خبر فيمن جره ، أي : عليه كفارة طعام ، أو عليه عدل ذلك ، و ( ليذوق ) : متعلق بمحذوف ، أي : فيجب عليه الجزاء أو الطعام أو الصوم ليذوق سوء عاقبة فعله ، و ( متاعا لكم ) : مفعول من أجله ، و ( حرما ) : حال ، أي : ما دمتم محرمين ، أو خبر دام على النقص ، ويقال : دام يدوم دمت ، كقال يقول قلت ، ودام يدام دمت ، كخاف يخاف خفت . وبه قرىء في الشاذ . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ أي : واللّه ليختبرنكم اللَّهُ بِشَيْءٍ قليل مِنَ الصَّيْدِ يسلطه عليكم ويذلله لكم حتى تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ بالأخذ وَرِماحُكُمْ بالطعن لِيَعْلَمَ اللَّهُ علم ظهور وشهادة تقوم به الحجة ، مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فيكف عن أخذه حذرا من عقاب ربه ، نزل عام الحديبية ، ابتلاهم اللّه بالصيد ، كانت الوحوش تغشاهم في رحالهم ، بحيث يتمكنون من صيده ، أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم ، وهم محرمون ، وكان الصيد هو معاش العرب ومستعملا عندهم ، فاختبروا بتركه مع التمكن منه ، كما اختبر بنو إسرائيل بالحوت في السبت . وإنما قلله بقوله : بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ إشعارا بأنه ليس من الفتن العظام كبذل الأنفس والأموال ، وإنما هو من الأمور التي يمكن الصبر عنها ، فمن لم يصبر عنده فكيف يصبر بما هو أشد منه ؟ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ الابتلاء بأن قتل بعد التحريم ، فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ في الآخرة ، لأن من لا يملك نفسه في مثل هذه فكيف يملكها فيما تكون النفس فيه أميل وعليه أحرص ؟ ! . ثم صرح بالحرمة ، فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أي : محرمون جمع حرم ، والمراد من دخل في الإحرام أو في الحرم ، وذكر القتل ليفيد العموم ، فيصدق بالذبح وغيره ، وما صاده المحرم