ابن عجيبة

77

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أو صيد له ميتة لا يؤكل ، والمراد بالصيد المنهي عن قتله : ما صيد وما لم يصد مما شأنه أن يصاد ، وورد هذا النهى عن قتله قبل أن يصاد ، وبعده ، وأما النهى عن الاصطياد فيؤخذ من قوله : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً ، وخصص الحديث : الغراب والحدأة ، والفأرة والعقرب والكلب العقور « 1 » ، فلا بأس بقتلهم ، في الحل والحرم ، وأدخل مالك في الكلب العقور كل ما يؤذى الناس من السباع وغيرها ، وقاس الشافعي على هذه الخمسة كل ما لا يؤكل لحمه . ثم ذكر جزاء قتله فقال : وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ أي : فعليه جزاء مثل ما يماثله من النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم ، ففي النعامة بدنة ، وفي الفيل ذات سنامين ، وفي حمار الوحش وبقره بقرة ، وفي الغزالة شاة ، فالمثلية عند مالك والشافعي في الخلقة والمقدار ، فإن لم يكن له مثل ؛ أطعم أو صام ، يقوّم بالطعام فيتصدق به ، أو يصوم لكل مد يوما ، ومذهب أبي حنيفة أن المثلية : القيمة ، يقوم الصيد المقتول ، ويخير القاتل بين أن يتصدق بالقيمة أو يشترى بها من النعم ما يهديه . وذكر العمد ليس بتقييد عند جمهور الفقهاء ، خلافا للظاهرية ؛ بل المتعمد ، والناسي في وجوب الجزاء سواء ، وإنما ذكره ليرتب عليه قوله : وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، ولأن الآية نزلت فيمن تعمد ، إذ روى أنهم عرض لهم حمار وحشي ، فطعنه أبو اليسر برمحه فقتله ، فنزلت الآية . ولا بد من حكم الحكمين على القاتل لقوله : يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فكما أن التقويم يحتاج إلى نظر واجتهاد ، فكذلك تحتاج المماثلة في الخلقة والهيأة إليهما ، فإن أخرج الجزاء قبل الحكم عليه ؛ فعليه إعادته ، إلا حمام مكة ؛ فإنه لا يحتاج إلى حكمين ، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت به الصحابة وفيما لم تحكم ، لعموم الآية . وقال الشافعي : يكتفى في ذلك بما حكمت به الصحابة ، حال كون المحكوم به هَدْياً بشرط أن يكون مما يصح به الهدى ، وهو الجذع من الضأن ، والثني مما سواه ، وقال الشافعي : يخرج المثل في اللحم ، ولا يشترط السن ، بالِغَ الْكَعْبَةِ لم يرد الكعبة بعينها ، وإنما أراد الحرم ، وظاهره يقتضى أن يصنع به ما يصنع بالهدى ؛ من سوق من الحل إلى الحرم ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : إن اشتراه في الحرم أجزأه . أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ ؛ مد لكل مسكين ، أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ؛ يوم لكل مد ، عدد الحق - تعالى - ما يجب في قتل الصيد ، فذكر أولا الجزاء من النعم ، ثم الطعام ، ثم الصيام ، ومذهب مالك والجمهور : أنها على

--> ( 1 ) أخرج ذلك البخاري في ( جزاء الصيد ، باب ما يقتل من الدواب ) ومسلم في ( الحجر ، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرام ) من حديث السيدة عائشة رضى اللّه عنها .