ابن عجيبة

66

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الحيوانات ، قال البيضاوي : بيّن أولا أقصى مالهما من الكمال ، ودل أنه لا يوجب لهما ألوهية ؛ لأن كثيرا من الناس يشاركهما في مثله ، ثم نبه على نقصهما ، وذكر ما ينافي الربوبية ويقتضى أن يكون من عداد المركبات الكائنة الفاسدة ، أي : القابلة للفساد ، ثم عجب ممن يدعى الربوبية لهما مع أمثال هذه الأدلة الظاهرة ، فقال : انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي : كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله ، و ( ثم ) للتفاوت بين العجبين ، أي : أن بياننا للآيات عجب ، وإعراضهم عنها أعجب . ه ثم أبطل عبادتهم لعيسى عليه السّلام فقال : قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً بل هو عاجز عن صرفه عن نفسه وجلب الخير لها ، فكيف يقدر أن يدفعه عن غيره ؟ وعبّر عنه بما ، دون ( من ) - إشارة إلى أنه من جنس ما لا يعقل ، وما كان مشاركا في الحقيقة لجنس ما لا يعقل ، يكون معزولا عن الألوهية ، وإنما قدّم الضر ؛ لأن التحرز منه أهم من تحرى النفع ، ثم هددهم بقوله : وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ بالأقوال والعقائد ، فيجازى عليهما ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : ينبغي للعبد أن يصفى مشرب توحيده ، ويعتنى بتربية يقينه ، بصحبة أهل اليقين ، وهم أهل التوحيد الخاص ، فيترقى من توحيد الأفعال إلى توحيد الصفات ، ومن توحيد الصفات إلى توحيد الذات ، فنهاية توحيد الصالحين والعلماء المجتهدين تحقيق توحيد الأفعال ، وهو ألّا يرى فاعلا إلا اللّه ، لا فاعل سواه ، وثمرة هذا التوحيد : الاعتماد على اللّه ، والثقة باللّه ، وسقوط خوف الخلق من قلبه ، لأنه يراهم كالآلات ، والقدرة تحركهم ، ليس بيدهم نفع ولا ضرر ، عاجزون عن أنفسهم فكيف عن غيرهم ؟ ونهاية توحيد العباد والزهاد والناسكين المنقطعين إلى اللّه تعالى توحيد الصفات ، فلا يرون قادرا ولا مريدا ولا عالما ولا حيا ولا سميعا ولا بصيرا ولا متكلّما إلا اللّه ، قد انتفت عنه صفات الحدث وبقيت صفات القدم . وثمرة هذا التوحيد : الانحياش من الخلق والتأنس بالملك الحق ، وحلاوة الطاعات ولذيذ المناجاة . ونهاية توحيد الواصلين من العارفين والمريدين السائرين : توحيد الذات ؛ فلا يشهدون إلا اللّه ، ولا يرون معه سواه . قال بعضهم : لو كلفت أن أرى غيره لم أستطع ، فإنه لا غير معه حتى أشهده . وقال شاعرهم : مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع مذ تجمعت ما خشيت افتراقا * فأنا اليوم واصل مجموع وقال في التنوير : أبى المحققون أن يشهدوا مع اللّه سواه ؛ لما حققهم به من شهود الأحدية وإحاطة القيومية . ه . وفي الحكم : « الأكوان ثابتة بإثباته ، ممحوة بأحدية ذاته » . وهؤلاء هم الصديقون المقربون . نفعنا اللّه بذكرهم ، وخرطنا في سلكهم . آمين .