ابن عجيبة

67

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم نهى أهل الكتاب عن الغلو في عيسى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 77 ] قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ( 77 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَهْلَ الْكِتابِ أي : النصارى ، لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وتقولوا قولا غَيْرَ الْحَقِّ ؛ وهو اعتقادكم في عيسى أنه إله ، أو أنه لغير رشدة ، ولا تفرطوا ، وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ سلفوا قبلكم ، وهم أئمتكم في الكفر ، قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ أي : من قبل مبعث محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَأَضَلُّوا أناسا كَثِيراً ؛ حملوهم على الاعتقاد الفاسد في عيسى وأمه ، فقلدوهم وضلوا معهم ، وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ أي : عن قصد السبيل المستقيم ، وهو الإسلام بعد مبعثه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل : الضلال الأول إشارة إلى ضلالهم عن مقتضى العقل ، والثاني إشارة إلى ضلالهم عما جاء به الشرع . قاله البيضاوي . الإشارة : الغلو كله مذموم كما تقدم ، وخير الأمور أوسطها ، كما تقدم . وقد رخص في الغلو في ثلاثة أمور : أحدها : في مدح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فلا بأس أن يبالغ فيه ما لم يخرجه عن طور البشرية ، وهذا غلو ممدوح ، مقرب إلى اللّه تعالى ، قال في بردة المديح : دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم * واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم الثاني : في مدح الأشياخ والأولياء ، ما لم يخرجهم أيضا عن طورهم ، أو يغض من مرتبة بعضهم ، فقد رخصوا للمريد أن يبالغ في مدح شيخه ، ويتغالى فيه ، بالقيدين المتقدمين ؛ لأن ذلك يقربه من حضرة الحق تعالى . والثالث : في تعظيم الحق جل جلاله . وهذا لا قيد فيه ولا حصر . حدث عن البحر ولا حرج ، إذا كان ممن يحسن العبارة ويتقن الإشارة ، بحيث لا يوهم نقصا ولا حلولا . وباللّه التوفيق . ولما ذكر مساوئ النصارى ذكر مساوئ اليهود ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 78 إلى 81 ] لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ ( 78 ) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 79 ) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ( 80 ) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ ( 81 )