ابن عجيبة

65

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والمشهور في الأخبار ، أن النصارى هم الذين اعتقدوا هذا الاعتقاد دون بني إسرائيل ، نعم ، أصل دخول هذه الشبهة على النصارى من يهودي يقال له : بولس ، حسدا منه ، وذلك أنه دخل في دينهم ، وفرق أموالهم ، وتأهب للتعبد معهم ، ثم سار إلى بيت المقدس وقطع نفسه تقربا عند قبرى مريم وعيسى - عليهما السلام - في زعمهم ، وكان معه رجلان اسمهما : يعقوب وناسور ، فأخذ يعلمهما ذلك الفساد ويقول لهما : عيسى هو اللّه أو ابن اللّه ، فلما قطع نفسه صار الرجلان يفشيان ذلك عنه ، فشاع مذهب الرجلين ، وكان منهما الطائفة اليعقوبية والناسورية . ثم هددهم على الشرك فقال ، أي : عيسى : إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ في عبادته ، أو فيما يختص به من الصفات والأفعال ، فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ أي : يمنع من دخولها ؛ لأنها دار الموحدين ، وَمَأْواهُ النَّارُ أي : محله النار ، لأنها معدة للمشركين ، وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ أي : وما لهم أحد ينصرهم من النار . ووضع المظهر موضع المضمر ، تسجيلا على أنهم ظلموا بالإشراك ، وعدلوا عن طريق الحق ، وهو يحتمل أن يكون من تمام كلام عيسى عليه السّلام ، أو من كلام اللّه تعالى . ثم ذكر تعالى صنفا آخر منهم ، فقال : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ أي : أحد ثلاثة ، عيسى وأمه وهو ثالثهم ، أو أحد الأقانيم الثلاثة ، الأب والابن وروح القدس ، يريدون بالأب الذات ، وبالابن العلم ، وبروح القدس الحياة ، لكن في إطلاق هذا اللفظ إيهام وإيقاع للغير في الكفر ، وهذه المقالة - أعنى التثليث ، هي قوله النسطورية والملكانية ، وما سبق في قوله : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ قول اليعقوبية ، القائلة بالاتحاد ، وكلهم ضالون مضلون ، وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ في ذاته وصفاته وأفعاله ، لا شريك له في ألوهيته ، متصلا ولا منفصلا ، وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ، ولم يوحدوا لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي : ليمس الذين بقوا منهم على الكفر ولم يتوبوا ، عذاب موجع . أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ أي : أفلا يرجعون عن تلك العقائد الزائفة والأقوال الفاسدة ، ويستغفرونه بالتوحيد والتوبة عن الاتحاد والحلول ، فإن تابوا غفر اللّه لهم ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ . وهذا الاستفهام : تعجب من إصرارهم ، مع كون التوبة مقبولة منهم . ثم رد عليهم بقوله : مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ بشر قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، وخصه اللّه بآيات ، كما خصهم بها ، فإن كان قد أحيا اللّه الموتى على يديه ، فقد أحيا العصى ، وجعلها حية تسعى على يد موسى ، بل هو أعجب ، وإن كان قد خلقه اللّه من غير أب ، فقد خلق آدم من غير أب وأم ، وهو أغرب ، وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ فقط ، كسائر النساء اللاتي يلازمن الصدق أو التصديق ، كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويفتقران إليه افتقار