ابن عجيبة
64
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَحَسِبُوا أي : ظنوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ أي : لا يقع بهم بلاء وعذاب بقتل الأنبياء - عليهم السّلام - ، وتكذيبهم ، فَعَمُوا عن أدلة الهدى ، أو عن الدين ، وَصَمُّوا عن استماع الوعظ والتذكير ، كما فعلوا حين عبدوا العجل ، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لما تابوا ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا لما قتلوا الأنبياء وسفكوا الدماء ، واستمر على ذلك كَثِيرٌ مِنْهُمْ ، وقليل منهم بقوا على العهد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم وفق أعمالهم . الإشارة : لقد أخذ اللّه العهد على جميع بني آدم في شأن حمل الأمانة ، التي حملها أبوهم آدم ، وبعث الأنبياء والأولياء يجددون العهد في حملها ، ويعرفون الناس بشأنها ، وهي المعرفة الخاصة ، التي هي شهود عظمة الربوبية في مظاهر العبودية ، وحملها لا يكون إلا بمخالفة الهوى وخرق عوائد النفوس ، ولا يطيقها إلا الخصوص ، فلذلك كثر الإنكار على الأنبياء والأولياء ؛ إذ لم يأت أحد بخرق العوائد إلا عودي وأنكر ، فكلما جاءهم رسول أو ولى بما لا تهوى أنفسهم فريقا منهم كذبوا وفريقا يقتلون ، وظنوا أن اللّه لا يعاقبهم على ذلك ، ولا تصيبهم فتنة في قلوبهم على ما هنالك ، فعموا عن مشاهدة أنوار الحق ، وصموا عمن يذكرهم بالحق ، وقد تلمع لهم تارة قبس من أنوارهم ، فيتوبون ، ثم يصرّون على الإنكار . واللّه بصير بما يعملون . ثم ذكر مساوئ النصارى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 72 إلى 76 ] لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النَّارُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ ( 72 ) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 73 ) أَ فَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 74 ) مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 75 ) قُلْ أَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 76 ) يقول الحق جل جلاله : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ؛ لما رأوا على يديه من الخوارق ، وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ المعنى : لقد كفر من اتخذ عيسى إلها مع أنه كان يتبرأ من هذا الاعتقاد ، ويقول لبنى إسرائيل : اعبدوا اللّه خالقي وخالقكم .