ابن عجيبة
568
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والقهرية ، وهم أهل الكفر والعصيان . قال البيضاوي : وفيه دليل ظاهر على أن الأمر غير الإرادة ، وأنه تعالى لم يرد الإيمان من كل أحد ، وأن ما أراد يجب وقوعه . ه . وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ؛ بعضهم على الحق ، وهم أهل الرحمة والكرم ، وبعضهم على الباطل ، وهم أهل القهرية والانتقام . أو مختلفين في الأديان والملل والمذاهب ، إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ؛ إلا ناسا هداهم اللّه من فضله ، فاتفقوا على ما هو أصل الدين والعمدة فيه ، كالتوحيد والإيمان بجميع الرسل وبما جاءوا به ، وهم المؤمنون . وقوله : وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ؛ إن كان الضمير للناس ، فالإشارة إلى الاختلاف ، واللام للعاقبة ، أي : ولتكون عاقبتهم الاختلاف خلقهم ، وإن كان الضمير يعود على « من » ، فالإشارة إلى الرحمة ، أي : إلا من رحم ربك وللرحمة خلقه . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الأزلية على ما سبق له الشقاء ، أي : نفذ قضاؤه ووعيده في أهل الشقاء ، أو هي قوله للملائكة : لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ؛ أي : من أهل العصيان منهما ، لا من جميعهما . الإشارة : الاختلاف بين الناس حكم أزلي ، لا محيد عنه . وقد وقع بين أهل الحق وبين أهل الباطل . فقد اختلفت هذه الأمة في الأصول والفروع . أما الأصول فأهل توحيد الدليل وقع بينهم تخالف في صفات الحق ، كالمعتزلة والقدرية والجهمية والجبرية مع أهل السنة . وأما الفروع فالاختلاف بينهم شهير . فقد كان في أول الإسلام اثنا عشر مذهبا . ولا تجد علما من علم الفروع إلا وبين أهله اختلاف ، إلا أهل التوحيد الخاص ، وهم : المحققون من الصوفية ، فكلهم متفقون في الأذواق والوجدان ، وإن اختلفت طرقهم ، وكيفية سيرهم . فهم متفقون في النهايات ، التي هي معرفة الشهود والعيان ، على طريق الذوق والوجدان ، وفي ذلك يقول ابن البنا - رحمه اللّه - : مذاهب الناس على اختلاف * ومذهب القوم على ائتلاف وأما قول من قال : [ ما زالت الصوفية بخير ما اختلفوا ، فإذا اتفقوا فلا خير فيهم ] ، فالمراد بالاختلاف : تغيير بعضهم على بعض ، عند ظهور نقص أو عيب أو ذنب . فإذا اتفقوا وسكت بعضهم عن بعض فلا خير فيهم . وقوله عليه الصلاة والسلام : « خلاف أمتي رحمة » . المراد : الاختلاف في الفروع كاختلاف المذاهب ؛ ففي ذلك رخصة لأهل الاضطرار ؛ لأن من قلد عالما لقى اللّه سالما . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر حكمة سرد قصص الأنبياء ، فقال : قلت : « وكلّا » مفعول « نقص » ، و « ما نثبت به » : بدل ، أو « ما » مفعول « نقصّ » ، و « كلّا » : مصدر . أي : ونقص [ سورة هود ( 11 ) : آية 120 ] وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 )