ابن عجيبة
569
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عليك كلّا من الاقتصاص ما نثبت به فؤادك . يقول الحق جل جلاله : وكل نبأ نَقُصُّ عَلَيْكَ من أخبار الرسل ، ونخبرك به ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ ، ليزيدك يقينا وطمأنينة وثباتا بما تسمع من أخبارهم ، وما جرى لهم مع قومهم ، وما لقوا من الأذى منهم ، فتتسلى بهم ، وتثبت على أداء الرسالة ، واحتمال أذى الكفار . وَجاءَكَ فِي هذِهِ السورة ، أو الأنباء المقتصة عليك ، الْحَقُّ أي : ما هو حق ، وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ، فيتحملون ، ويصبرون لما يواجههم من الأذى والإنكار . الإشارة : ذكر أحوال الصالحين ، وسيرهم وكراماتهم ؛ جند من جنود القلب ، وذكر أشعارهم ومواجيدهم جند من جنود الروح ، وقد ورد : أن عند ذكرهم تنزل الرحمة ، أي : رحمة القلوب باليقين والطمأنينة . واللّه تعالى أعلم . ثم أمره بتهديد من خالفه ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 121 إلى 123 ] وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 ) يقول الحق جل جلاله : وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ : حالكم إِنَّا عامِلُونَ على حالنا ، وَانْتَظِرُوا وقوع ما نزل بمن قبلكم ممن خالف رسوله ؛ فإنه نازل بكم ، إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ما وعدنا ربنا من النصر والعز . وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يعلمه غيره ؛ فلا يعلم غيب العواقب ، ووقت وقوع المواعد إلا هو . وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فيرجع لا محالة أمرهم وأمرك إليه ، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ؛ فإنه كافيك أمرهم وأمر غيرهم . وفي تقديم العبادة على التوكل تنبيه على أنه إنما ينفع التوكل العابد دون البطال . وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أنت وهم ، فيجازى كلّا ما يستحقه . أو عما يعمل الكافرون ، فيمهلهم ولا يهملهم . الإشارة : ( فاعبده وتوكل عليه ) : يقول تعالى : يا عبدي ؛ قم بخدمتي أقم لك بقسمتي ، قف ببابي وانتسب لجنابى ؛ أكفك شئونك ، وتكن من أحبابي . أأدعوك لدارى ، وأمنعك من وجود إبرارى ، أأكلفك بخدمتي ، ولا أقوم لك بقسمتي ، فثق بي كفيلا ، واتخذني وكيلا ، أعطك عطاء جزيلا ، وأمنحك فخرا جليلا . قال القشيري : ويقال : إن التوكل : سكون القلب بضمان الربّ . ويقال : سكون الجأش في طلب المعاش ، ويقال : الاكتفاء بوعده عند عدم نقده ، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد . وسيأتي تمامه في سورة الفرقان ، إن شاء اللّه . وباللّه التوفيق . وهو الهادي إلى سواء الطريق . وصلّى اللّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلّم تسليما .