ابن عجيبة

567

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أخمدوها . وإذا واجهوا ضالا أرشدوه ، أو غافلا ذكروه ، أو طالبا للوصول وصلوه ، يمشون في الأرض بالنصيحة ، لا يخافون في اللّه لومة لائم . أولئك لهم الأمن وهم مهتدون . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « والذي نفس محمد بيده لئن شئتم لأقسمن لكم : إنّ أحبّ عباد اللّه إلى اللّه الذين يحببون اللّه إلى عباده ، ويحببون عباد اللّه إلى اللّه ، ويمشون في الأرض بالنصيحة » أما كونهم يحببون اللّه إلى عباده ؛ فلأنهم يذكرون لهم آلاءه وإحسانه وبره . والنفس تحب بالطبع من أحسن إليها . وأما كونهم يحببون عباد اللّه إلى اللّه ؛ فلأنهم يردونهم عن غيهم وحظوظهم ، التي تبعدهم عن ربهم . فإذا رجعوا إليه أحبهم . وسئل ذو النون المصري رضى اللّه عنه عن وصف الأبدال ، فقال : سألت عن دياجى الظلام ؛ لأكشف لك عنهم ، هم قوم ذكروا اللّه بقلوبهم ، تعظيما لربهم ؛ لمعرفتهم بجلاله ، فهم حجج اللّه تعالى على خلقه ، ألبسهم اللّه - تعالى - النور الساطع من محبته ، ورفع لهم أعلام الهداية إلى مواصلته ، وأقامهم مقام الأبطال لإرادته ، وأفرغ عليهم من مخافته ، وطهّر أبدانهم بمراقبته ، وطيبهم بطيب أهل معاملته ، وكساهم حللا من نسج مودته ، ووضع على رؤوسهم تيجان مبرته ، ثم أودع القلوب من ذخائر الغيوب ، فهي متعلقة بمواصلته ، فهممهم إليه ثائرة ، وأعينهم بالغيب ناظرة ، قد أقامهم على باب النظر من رؤيته ، وأجلسهم على كراسي أطباء أهل معرفته ، ثم قال لهم : إن أتاكم عليل من فقدى فداووه ، أو مريض من فراقي فعالجوه ، أو خائف منى فانصروه ، أو آمن منى فحذّروه ، أو راغب في مواصلتى فمنّوه ، أو راحل نحوى فزودوه ، أو جبان في متاجرتى فشجعوه ، أو آيس من فضلى فرجّوه ، أو راج لإحسانى فبشروه ، أو حسن الظن بي فباسطوه ، أو محب لي فواصلوه ، أو معظم لقدرتى فعظموه ، أو مسئ بعد إحسانى فعاتبوه ، أو مسترشد فأرشدوه . ه . وهذا بقدر اللّه ومشيئته ، كما قال تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 118 إلى 119 ] وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) قلت : الاستثناء من ضمير « يزالون » . يقول الحق جل جلاله : وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ، متفقين على الإيمان ، أو الكفران ، لكن مقتضى الحكمة وجود الاختلاف ؛ ليظهر مقتضيات الأسماء في عالم الشهادة ؛ فاسمه : الرحيم والكريم يقتضى وجود من يستحق الكرم والرحمة ، وهم : أهل الإيمان . واسمه : المنتقم والقهار يقتضى وجود من يستحق الانتقام