ابن عجيبة
566
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر سبب هلاك الأمم الماضية ، وهو فشو الظلم ، وعدم تغيير المنكر ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 116 إلى 117 ] فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) قلت : ( لولا ) ، تحضيضية ، ويقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف ، كقوله : يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ « 1 » ، و « إلا قليلا » : منقطع ، ولا يصح اتصاله ، إلا إذا جعل استثناء من النفي اللازم للتحضيض . أي : ما كان في القرون الماضية أولو بقية إلا قليل . يقال : فلان من بقية القوم ، أي : خيارهم ، وإنما قيل فيه « بقية » ؛ لأن الشرائع والدول تقوى أولا ثم تضعف . فمن ثبت في وقت الضعف على ما كان في أوله ، فهو بقية الصدر الأول . قاله ابن عطية . وقوله : « بظلم » : حال من « ربك » ؛ أي : ما كان ربك ليهلك القرى ظالما لهم ، أو متعلق بيهلك . يقول الحق جل جلاله : فَلَوْ لا : فهلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ ؛ كقوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكرهم ، أُولُوا بَقِيَّةٍ من الرأي ، والعقل ينكرون عليهم ، أي : فهلا وجد فيهم من فيه بقية من العقل والحزم والثبوت ، يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ ، لكن قليلا ممن أنجينا منهم كانوا كذلك ، فأنكروا على أهل الفساد ، واعتزلوهم في دينهم ؛ فأنجيناهم . وفي هذا تحريض على النهى عن المنكر والأمر بالمعروف ، وأنه سبب النجاة في الدارين . وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ : ما أنعموا فيه من الشهوات ، واهتموا بتحصيل أسبابها ، وأعرضوا عما وراء ذلك ، وَكانُوا مُجْرِمِينَ كافرين . قال البيضاوي : كأنه أراد أن يبين ما كان السبب لاستئصال الأمم الماضية ، وهو : فشو الظلم فيهم ، واتباع الهوى ، وترك النهى عن المنكرات مع الكفر . ه . وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ أي : متلبسا بظلم ، وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ، فيعذبهم بلا جرم ، أي : ما كان ليعذبهم ظالما لهم بلا سبب . أو ما كان ليهلك القرى بشرك وأهلها مصلحون فيما بينهم ، لا يضمون إلى شركهم فسادا وبغيا ، وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه . ومن ذلك قدّم الفقهاء ، عند تزاحم الحقوق ، حقوق العباد . وقال بعضهم : [ الذنوب ثلاثة : ذنب لا يغفره اللّه ، وهو الشرك . وذنب لا يعبأ اللّه به ، وهو ما كان بينه وبين عباده ، وذنب لا يتركه اللّه ، وهو حقوق عباده ] . وقالوا : قد يبقى الملك مع الشرك ولا يبقى مع الظلم . الإشارة : أولو البقية الذين ينهون عن الفساد في الأرض هم : أهل النور المخزون المستودع في قلوبهم من نور الحق ، إذا قابلوا منكرا دمغوه بالحال أو المقال ، وإذا قابلوا فسادا أصلحوه ، وإذا قابلوا فتنة أطفأوها . وإذا قابلوا بدعة
--> ( 1 ) من الآية : 30 من سورة يس .