ابن عجيبة

549

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تزيلوها بما أنتم عليه ؛ فإن من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ، وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ ؛ يوم القيامة ، فإنه محيط بكل ظالم ، أو عذاب الاستئصال في الدنيا ، ووصف اليوم بالإحاطة ، وهي صفة العذاب ؛ لاشتماله عليه . وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ ؛ بالعدل من غير زيادة ولا نقصان . صرح بالأمر بالاستيفاء بعد النهى عن ضده ؛ مبالغة ، وتنبيها على أنهم لا يكفيهم الكف عن تعمد التطفيف ، بل يلزمهم السعي في الإيفاء ولو بالزيادة ، حيث لا يتأتى دونها ، وقد تكون الزيادة محظورة ، ولذلك أمرهم بالعدل في قوله : ( بالقسط ) ، بلا زيادة ولا نقصان . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ لا تنقصوهم حقهم ، وهو تعميم بعد تخصيص ، فإنه أعم من أن يكون في الميزان والمكيال وفي غيره ، وكذا قوله : وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ؛ فإن العثو - وهو الفساد - يعم تنقيص الحقوق وغيره من أنواع الفساد . وقيل : المراد بالبخس : المكس ، كأخذ العشور في المعاملات ، والعثو : السرقة وقطع الطريق والغارة ، وأكده بقوله : مُفْسِدِينَ وفائدته : إخراج ما يقصد به الإصلاح ، كما فعل الخضر عليه السّلام ، وقيل : معناه : مفسدين أمر دينكم ومصالح آخرتكم . قاله البيضاوي . بَقِيَّتُ اللَّهِ ؛ أي : ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزه عن الحرام ، خَيْرٌ لَكُمْ مما تجمعون بالتطفيف ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ فإن الإيمان يقتضى الاكتفاء بالحلال عن الحرام . أو إن كنتم مؤمنين فالبقية خير لكم ، فإن خيريتها تظهر باعتبار الثواب والنجاة من العذاب ، وذلك مشروط بالإيمان ، أو : إن كنتم مصدقين لي في قولي لكم . وقيل : البقية : الطاعة ، كقوله : وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ * « 1 » . وقرىء ، « تقية اللّه » ؛ بالتاء المثناة ، وهي تقواه التي تكف عن المعاصي ، وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ؛ أحفظ عليكم أعمالكم ، وأجازيكم عليها ، إنما أنا نذير وناصح مبلغ ، وقد أعذرت حين أنذرت . أو : أحفظكم عن القبائح وأمنعكم منها . أو : لست بحافظ عليكم نعم اللّه إن سلبت عنكم بسوء صنيعكم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : كما أمر الحق تعالى بالوفاء في الموازين أمر بالوفاء في الأعمال والأحوال والمقامات . ولذلك قيل للجنيد في النوم : [ أفضل ما يتقرب به إلى اللّه عمل خفى ، بميزان وفي ] ، فالوفاء في الأعمال : إتقانها في الظاهر ، باستيفاء شروطها وآدابها ، وإخلاصها في الباطن مع حضور القلب فيها . والوفاء في الأحوال : ألا تخرج عن قواعد الشريعة ، بأن لا تكون محرمة ولا مكروهة ، وأن يقصد بها موت النفوس وحياة الأرواح ، والوفاء في المقام : ألا ينتقل عن مقام إلى غيره حتى يتحقق بالمقام الذي أنزل فيه . وفيه خلاف بين الصوفية : هل يصح الانتقال عن مقام قبل التحقق به ، ثم يحققه في المقام الذي بعده ، أم لا ؟ .

--> ( 1 ) من الآية : 46 من سورة الكهف .