ابن عجيبة

550

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

والمقامات التي ينزل فيها المريد : التوبة ، والخوف ، والرجاء ، والورع ، والزهد ، والتوكل ، والصبر ، والرضى ، والتسليم ، والمحبة ، والمراقبة ، والمشاهدة بالفناء ثم البقاء ، أو الإسلام ، ثم الإيمان ، ثم الإحسان . فلا ينتقل من مقام إلى ما بعده حتى يحقق المقام الذي هو فيه ، ذوقا وحالا . وقيل : يجوز أن ينتقل إلى ما بعده إذا كان ذا قريحة فتحقق له ما قبله . واللّه تعالى أعلم . وطريق الشاذلية مختصرة ، تطوى عن المريد هذه المقامات ، فينزل في أول قدم في مقام الإحسان ، شعر أم لا ، ثم يحصل الفناء ثم البقاء ، إن وجد شيخا كاملا تربى على يد شيخ كامل ، وإلا فلا . وقول الجنيد رضى اللّه عنه : ( عمل خفى ) ، اعلم أن الخفاء على ثلاثة أقسام : خفاء عوام الصالحين ، وهو : إخفاء الأعمال عن الناس مخافة الرياء . وخفاء المريدين ، وهو : الإخفاء عن ملاحظة الخلق ومراقبتهم ، ولو كانوا بين أظهرهم ، فإخفاؤهم قلبي لا قالبى . وخفاء العارفين الواصلين ، وهو : الإخفاء عن رؤية النفس ، فهم يغيبون عن أنفسهم ووجودهم ، في حال أعمالهم ، فليس لهم عن نفوسهم إخبار ، ولا مع غير اللّه قرار . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ما أجابه به قومه فقال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 87 ] قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ( 87 ) قلت : « تأمرك أن نترك » : على حذف مضاف ، أي : تأمرك بتكليف أن نترك ؛ لأن الرجل لا يؤمر بفعل غيره . و ( أن نفعل ) : عطف على ( ما ) ؛ أي : أو نترك فعلنا في أموالنا ما نشاء . يقول الحق جل جلاله : قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ التي تكثر منها هي التي تَأْمُرُكَ أن تأمرنا أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا من الأصنام ، وندخل معك في دينك المحدث ، أجابوا به ما أمرهم به من التوحيد بقوله : ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، على وجه التهكم والاستهزاء بصلواته . وكان كثير الصلاة ، ولذلك جمعوها وخصوها بالذكر . وقرأ الأخوان وحفص بالإفراد المراد به الجنس . ثم أجابوه عن نهيهم عن التطفيف وأمرهم بالإيفاء ، فقالوا : أَوْ نترك أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا من البخس وغيره ؟ وقيل : كانوا يقطعون الدراهم والدنانير ، فنهاهم عن ذلك . . إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ ، تهكموا به وقصدوا وصفه بضده ، من خفة العقل والسفه ؛ لأن العاقل عندهم هو الحريص على جمع الدنيا وتوفيرها ، وهو الحمق عند العقلاء ، أو إنك موسوم بالحلم والرشيد ؛ فلا ينبغي لك أن تنهانا عن تنمية أموالنا والتصرف فيها . واللّه تعالى أعلم .