ابن عجيبة

53

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وفي الحكم : « أنت الذاكر من قبل الذاكرين ، وأنت البادئ بالإحسان من قبل توجه العابدين ، وأنت الجواد بالعطاء من قبل طلب الطالبين ، وأنت الوهاب ثم أنت لما وهبتنا من المستقرضين » . ومحبة اللّه لعبده : حفظه ورعايته ، وتقريبه واصطفاؤه لحضرته ، وقال القطب ابن مشيش - رضى اللّه عنه - : المحبة أخذة من اللّه قلب من أحب ، بما يكشف له من نور جماله ، وقدس كمال جلاله ، وشراب المحبة : مزج الأوصاف بالأوصاف ، والأخلاق بالأخلاق ، والأنوار بالأنوار ، والأسماء بالأسماء ، والنعوت بالنعوت ، والأفعال بالأفعال . قلت : ومعنى ذلك : غيبة العبد في شهود الحق ، وهو مقام الفناء ، ثم قال رضى اللّه عنه : والشراب - أي : الشرب - سقى القلوب والأوصال والعروق من هذا الشراب ، حتى يسكر ، ويكون الشرب بالتدريب بعد التدريب والتهذيب ، أي يكون شرب الخمرة شيئا فشيئا ، ووقتا فوقتا ، حتى يتمكن من شهود المعاني بلا فترة ، فذلك الرّى ، وذلك بعد كمال التهذيب ، فيسقى كل على قدره ، فمنهم من يسقى بغير واسطة ، واللّه سبحانه يتولى ذلك منه ، ( قلت : وهو نادر ، والغالب عليه الانحراف ) ، ومنهم من يسقى من جهة الوسائط ، كالملائكة والعلماء والأكابر من المقربين ، ( قلت : قوله : كالملائكة . . . تمثيل للوسائط ، فالملائكة ؛ للأنبياء ، والعلماء باللّه وأكابر المقربين لغيرهم ) ، ثم قال : فمنهم من يسكر بشهود الكأس ، ولو لم يذق بعد شيئا ، فما ظنك بعد بالذوق ، وبعد بالشرب ، وبعد بالري ، وبعد بالسكر بالمشروب ، ؟ ! ثم الصحو بعد ذلك على مقادير شتى ، كما أن السكر أيضا كذلك . انظر بقية كلامه مع شرحه في شرحنا لخمرية ابن الفارض . وقال شيخنا البوزيدى رضى اللّه عنه : المحبة لها ثلاث مراتب : بداية ووسط ونهاية ؛ فبدايتها لأهل الخدمة ، كالعباد والزهاد والصالحين والعلماء المجتهدين . ووسطها لأهل الأحوال ، الذين غلب عليهم الشوق حتى صدرت منهم شطحات ورقصات وأحوال غريبة ربما ينكرها أهل ظاهر الشريعة ، فمنهم من يغلب عليه الجذب حتى يصطلم ، ومنهم من يبقى معه شئ من الصحو ، وهؤلاء تظهر عليهم كرامات وخوارق العادات ، ونهايتها لأهل العرفان ، أهل مقام الشهود والعيان ، الذين شربوها من يد الوسائط وسكروا بها ، وصحوا . ه . بالمعنى . وفي الورتجبي ما حاصله : أن محبتهم بعد المشاهدة ، وإلا لم تكن محبة حقيقة ؛ لأن محبة الآلاء والنعماء معلولة ، ولا كذلك هذه ، لأن من رآه عشقه ، وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب بعشقه لجماله ؟ ولذلك لم يرتدوا عن دينهم الذي هو المحبة . ه . وللمحبة علامات وثمرات ، ذكر بعضها الحق تعالى بقوله : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي : متواضعين عاطفين عليهم ، أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ ، أي : القواطع ، غالبين عليهم ، يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي :