ابن عجيبة

54

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أنفسهم وأهواءهم ، وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ؛ إذ لا يراقبون سوى المحبوب ، وليس للمحبة طريق إلا محض الفضل والكرم . ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ؛ لكن صحبة المحبوبين عند اللّه من أسبابها العادية ، وهم أولياء اللّه الذين هم حزب اللّه ، فولايتهم والقرب منهم من أسباب القرب والمحبة ، ومن موجبات النظر والغلبة ؛ وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ ثم نهى عن صحبة ضدهم ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ( 57 ) وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 58 ) قلت : ( والكفار ) : من نصب عطف على الموصول الأول ، ومن جرّ فعلى الموصول الثاني . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً من شدة كفرهم ، وغلبة سفههم مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ كاليهود والنصارى ، وَ لا تتخذوا أيضا الْكُفَّارَ من المشركين أَوْلِياءَ وأصدقاء ، أو : لا تتخذوا من اتخذ دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب ومن المشركين أولياء ، وَاتَّقُوا اللَّهَ في موالاتهم إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ؛ فإن الإيمان يقتضى الوقوف عند الأمر والنهى . وكيف توالون من يستهزئ بدينكم ، وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ، روى أن نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول اللّه ، قال : أحرق اللّه الكاذب . فدخل خادمه ذات ليلة بنار ، وأهله نيام ، فطارت شرارة في البيت ، فأحرقته وأهله ) . وفي الآية دلالة على مشروعية الأذان من القرآن . ثم قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ؛ فإن السفه يؤدى إلى الجهل بالحق والهزء به ، والعقل يقتضى المنع من الجهل والإقرار بالحق وتعظيمه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قد حذّر الحق جل جلاله من صحبة الأشرار ، ويفهم منه الترغيب في موالاة الأخيار ، وهم الصوفية الأبرار ، ففي صحبتهم سر كبير وخير كثير ، ولابن عباد رضى اللّه عنه في نظم الحكم : إنّ التّواخى فضله لا ينكر * وإن خلا من شرطه لا يشكر والشرط فيه أن تواخى العارفا * عن الحظوظ واللحوظ صارفا مقاله وحاله سيّان * ما دعونا إلّا إلى الرحمان أنواره دائمة السّراية * فيك وقد حفّت به الرّعاية وفي الحكم : « لا تصحب من لا ينهضك حاله ، ولا يدلك على اللّه مقاله » . وباللّه التوفيق .