ابن عجيبة
528
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من ساج ، وهو خشب أسود ، رزان ، لا تكاد الأرض تبليه ، يجلب من الهند . ه . وفي رواية أخرى : صنعها نوح عليه السّلام ، وجبريل يصف له ، فكان أسفلها كأسفل السفن وأعلاها كالسقف ، وداخلها كالبيت ، ولها أبواب في جوانبها . ه . ثم إن نوحا عليه السّلام لما تحقق هلاك قومه ، رق عليهم ، فهمّ أن يراجع اللّه في شأنهم ، فقال له تعالى : وَلا تُخاطِبْنِي ؛ ولا تراجعني فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ، ولا تدع باستدفاع العذاب عنهم ؛ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ : محكوم عليهم بالغرق لا محالة . فلا سبيل إلى كفه . وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ ، حكى ما وقع بصيغة الحال ؛ استحضارا لتلك الحال العجيبة ، وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ : جماعة مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ : استهزءوا به ، لأنه كان يعمل السفينة في برية بعيدة من الماء . أو أن عزته تنفى صنعته ، فكانوا يضحكون منه ، ويقولون له : صرت نجارا بعد أن كنت نبيا . قالَ لهم : إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ ، فنسخر منكم حين يأخذكم في الدنيا الغرق ، وفي الآخرة الحرق . فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ، وهو : الغرق ، والحرق بعده ، وَيَحِلُّ أي : ينزل عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ : دائم ، وهو النار يوم القيامة . الإشارة : إذا تحقق الولي بإعراض الخلق عنه ، وأيس منهم أن يتبعوه . فلا يحزن ، ولا يغتم منهم ، ففي اللّه غنى عن كل شئ ، وليس يغنى عنه شئ . وفي إعراض الخلق راحة لقلب الولي ولبدنه ، فإذا سخروا منه فليقل في نفسه : إن تسخروا منا اليوم ، فنسخر منكم حين تحقق الحقائق ، فيرتفع المقربون ، وينسفل الباطلون ، وكان شيخ أشياخنا سيدي على العمراني رضى اللّه عنه كثيرا ما يقول : ليت القيامة قامت ، حتى يظهر الرجال من غيرهم . أو ما هذا معناه . ثم ذكر مبدأ الطوفان ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 40 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) قلت : حتى : غاية لقوله : ( ويصنع الفلك ) ، أو ابتدائية . و ( اثنين ) مفعول باحمل ، و ( أهلك ) : عطف عليه . يقول الحق جل جلاله : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا بغرقهم ، أو أمرنا للأرض بالفوران وللسحاب بالإرسال ، وَفارَ التَّنُّورُ ؛ نبع الماء منه وارتفع كالقدر تفور . والتنور : تنور الخبز ، ابتدأ منه النبوع ، على خرق العادة ، أرادت ابنته أن تسجره ففار الماء في النار ، روى أنه كان تنور آدم ، خلص إلى نوح ، فكان يوقد فيه ، وقيل : كان في الكوفة في موضع مسجدها . وقيل : في الهند ، وقيل : التنور : وجه الأرض « 1 » . قاله ابن عباس .
--> ( 1 ) ورجح الطبري القول الأول ؛ لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب .