ابن عجيبة
529
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فلما فار بالماء قُلْنَا احْمِلْ فِيها ؛ في السفينة ، مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ؛ من كل نوع من الحيوان ؛ ذكرا وأنثى - روى أن نوحا عليه السّلام وقف على باب السفينة ، وحشر إليه الوحوش ، فكان الذكر يقع في يمينه ، والأنثى في شماله ، وهو يدخل في السفينة . وآخر ما دخل الحمار ، فتمسك الشيطان بذنبه ؛ فزجره نوح فلم ينعق ، فدخل معه ، فجلس عند مؤخر السفينة . وروى أن نوحا عليه السّلام آذاه نتن الزبل والعذرة ، فأوحى اللّه إليه : أن امسح على ذنب الفيل ، ففعل فخرج من أنفه خنزير وخنزيرة ، فكفياه أمر ذلك الأذى . وروى أن الفأر آذى الناس ، فأوحى اللّه إليه : أن امسح على جبهة الأسد ففعل ، فعطس فخرج منه هرّ وهرّة . فكفياه أمر الفار « 1 » . انظر ابن عطية . وَ احمل أيضا أَهْلَكَ أي : امرأتك وبنيك ونساءهم ، إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ أنه من المغرقين يريد : ابنه كنعان وأمه واعلة ، فإنهما كانا كافرين . وَ احمل مَنْ آمَنَ بك . قال تعالى : وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ ، قيل : كانوا تسعة وسبعين : زوجته المسلمة ، وبنوه الثلاثة : حام وسام ويافث ، ونساؤهم ، واثنان وسبعون رجلا وامرأة من غيرهم . وفي بعض الآثار : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « سام أبو العرب ، ويافث أبو الروم ، وحام أبو الحبش » « 2 » . قاله ابن عطية . وسيأتي خلافه في سورة الصافات . وهو الراجح . وقال البيضاوي : روى أن نوحا عليه السّلام اتخذ السفينة في سنتين ، وكان طولها ثلاثمائة ذراع ، وعرضها خمسين ، وسمكها ثلاثين . وجعل لها ثلاثة بطون . فحمل في أسفلها الدواب والوحش ، وفي وسطها الإنس ، وفي أعلاها الطير . ه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : حتى إذا جاء أمرنا بكمال الطهارة من العيوب ، وفار تنور القلب بعلم الغيوب ، وجرت سفينة الفكرة في بحار التوحيد ، وأسرار التفريد ، قلنا : احمل فيها من كل زوجين اثنين ؛ علم الشريعة والحقيقة ، وعلم الحكمة والقدرة ، وعلم الحس والمعنى ، وعلم الأشباح والأرواح ، وعلم الملك والملكوت . وتحمل من تمسك بها من أهل المحبة والوداد ، إلا من سبق عليه القول بالمكث في مقام البعاد ، وتحمل من آمن بخصوصيتها من العباد ، فتقربه من مسلك التوفيق والتسديد ، حين يمن الحق تعالى عليها بالقرب من أهل المحبة والوداد . وباللّه التوفيق . ثم أمرهم بالركوب في السفينة ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 41 إلى 43 ] وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 )
--> ( 1 ) هذه الأخبار ذكرها الطبري وغيره ، وهي من الإسرائيليات التي ينبغي تنقية كتب التفسير منها . ( 2 ) أخرجه الإمام أحمد في المسند 9 / 5 والترمذي وحسنه في ( المناقب ، باب فضل العرب ) والحاكم في المستدرك ( 2 / 546 ) وصححه ووافقه الذهبي ، عن سمرة بن جندب - رضى اللّه عنه .