ابن عجيبة
509
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والحاصل : إن الإثناء إن كان عن الحق - فالضمير في : ( منه ) ، يعود على اللّه ، وإن كان عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فالضمير يعود عليه ؛ وفي البخاري عن ابن عباس : ( أنها نزلت فيمن كان يستحى أن يتخلّى أو يجامع فيفضى إلى السماء ) . وقوله : أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ : يحتمل أن يكون عند النوم ، فيكون الإثناء عن الحق ، أو عن اللّه ، أو عند مواجهة الرسول ، فيكون الإثناء عن رؤيته - عليه الصلاة السلام ، أو عن سماع القرآن . قال تعالى : يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ في قلوبهم ، وَما يُعْلِنُونَ بأفواههم ، - فقد استوى في علمه سرهم وعلانيتهم ، فكيف يخفى عليه أمرهم واستخفاؤهم منه ؟ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي : بالأسرار صاحبة الصدور ، أو بحقائق الصدور وما احتوت عليه . الإشارة : يقول الحق جل جلاله : هذا كتاب أحكمت آياته بالتعريف بالذات ، ثم فصلت ببيان الصفات ، أو : أحكمت بتبيين الحقائق ، ثم فصلت بتبيين الشرائع . أو : أحكمت ببيان ما يتعلق بعالم الأرواح من التعريف ، ثم فصلت ببيان ما يتعلق بعالم الأشباح من التكليف ، أو : أحكمت ببيان أسرار الملكوت ، ثم فصلت ببيان أحكام الملك . ثم بيّن ما يتعلق بالذات فقال : أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ، وبيّن ما يتعلق بالصفات من التفصيل فقال : ( وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه ) ، أو : بيّن ما يتعلق بالحقائق ، ثم ما يتعلق بالشرائع ، وهكذا . فإن جمعتم بين الحقائق والشرائع يمتعكم متاعا حسنا ؛ بشهود ذاته ، والتنزه في أنوار صفاته ، إلى أجل مسمى ، وهو : النزول في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، ويؤت كل ذي فضل من المعرفة جزاء فضله من الشهود ، فمن تولى عن هذا خاف من عذاب يوم كبير ، وهو : غم الحجاب ، والتخلف عن الأحباب . ثم عاتب أهل الشهود حيث تركوا مقام المشاهدة وتنزلوا إلى مقام المراقبة ، بقوله : ( ألا إنهم يثنون صدورهم . . . ) الآية . ثم بيّن كمال علمه تكميلا لقوله : ( يعلم ما يسرون وما يعلنون ) ، فقال : [ سورة هود ( 11 ) : آية 6 ] وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ( 6 ) يقول الحق جل جلاله : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ أي : كل ما يدب عليها ؛ عاقلا أو غيره ، إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها ؛ غذاؤها ومعاشها ؛ لتكفله إياه بذلك ؛ تفضلا وإحسانا . وإنما أتى بعلى التي تقتضى الوجوب ؛ تحقيقا لوصوله ، وتهييجا على التوكل وقطع الوساوس فيه ، وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ؛ أماكنها في الحياة والممات ، أو الأصلاب والأرحام . أو : مستقرها في الأرض بعد وجودها ، ومستودعها : موادها قبل إيجادها . أو بالعكس : مستقرها : موادها في العلم قبل الظهور ، ومستودعها : إقامتها في الدنيا بعد الوجود . كُلٌّ واحد من الدواب على اختلاف أجناسها وأصنافها فِي كِتابٍ مُبِينٍ ؛ مذكور في اللوح المحفوظ ، أو في العلم القديم المبين للأشياء ، قال البيضاوي : وكأنه أريد بالآية كونه عالما بالمعلومات كلها ، وبما بعدها بيان كونه قادرا على الممكنات بأسرها ، تقريرا للتوحيد ولما سبق من الوعد والوعيد . ه .