ابن عجيبة

510

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : هم الرزق ، وخوف الخلق ، من أمراض القلوب ، ولا ينقطعان عن العبد حتى يكاشف بعلم الغيوب وهو التوحيد الخاص ؛ أعنى : الرسوخ في الشهود والعيان . وإنما يضر العبد ما كان ساكنا ، وأما الخواطر التي تلمع وتذهب ، فلا تضر ؛ لأن الإنسان خلق ضعيفا . واعلم أن الرزق على قسمين : رزق الأرواح ، ورزق الأشباح . فرزق الأرواح معنوي ، وهو : قوت الروح من المعرفة وعلم اليقين . ورزق الأشباح حسى ، وهو : الطعام والشراب . وقد تكفل الله بالأمرين معا ، وأمر بالتسبب فيهما ، قياما برسم الحكمة . فالتكفل حقيقة ، والتسبب شريعة ، فالعامة اشتغلوا بالتسبب في الرزق الحسى والبحث عنه ، ولم يعبأوا بالرزق المعنوي ، ولا عرفوه ؛ من شدة إعراضهم عنه ، مع أنهم لو فقدوا الرزق المعنوي لماتت أرواحهم . والخاصة اشتغلوا بالتسبب في الرزق المعنوي والبحث عنه ، ولم يعبأوا بالرزق الحسى من شدة إعراضهم عنه ، مع أنهم لو فقدوا الرزق الحسى لهلكت أشباحهم . وخاصة الخاصة يتسببون في الرزق الحسى والمعنوي ، وليس هم مع إرادتهم في واحد منهما ، وإنما هم أبدا مع إرادة مولاهم راتعين أبدا ، حيث دفعتهم إرادة سيدهم في الحسى أو في المعنوي من غير تبرم ولا التفات لغيره ، كما قال القائل « 1 » . أراني كالآلات وهو محركى * أنا قلم ، والاقتدار أصابع العامة قد حجبوا عن اللّه بإرادتهم للرزق الحسى ، حيث صار الرزق الحسى هو حظ النفوس . صاروا مع حظ نفوسهم لا غير ، والخاصة وجدوا اللّه في طلبهم للرزق المعنوي ، لأنه حق اللّه ، لاحظ للنفس فيه ، لأجل ذلك لمّا كانوا لله كان اللّه لهم . وخاصة الخاصة ليس هم مع إرادتهم في شئ ، بل هم بالله في الأحوال كلها لا بنفوسهم . قد انمحت إرادتهم في إرادة اللّه ، فصارت إرادتهم إرادة اللّه ، وفعلهم فعله . وهذا المقام يقال له : التمكين بالتلوين . ه . قاله شيخ شيوخنا سيدي على الجمل العمراني رضى اللّه عنه في كتابه ، نفعنا اللّه بهم جميعا . قوله تعالى : وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها أي : يعلم مستقرها في العلم ، ومستودعها في العمل ، أو مستقرها في الحال ، ومستودعها في المقام ، أو مستقرها في الفناء ، ومستودعها في البقاء ، أو مستقرها في التلوين ومستودعها في التمكين ، أو مستقرها في عالم الأشباح ، ومستودعها في عالم الأرواح . وأنشدوا : كلّ شئ سمعته أو تراه * فهو للقبضتين يشير ضع قميصى عن العيون ترى ما * غاب عنك فقد أتاك البشير

--> ( 1 ) وهو الشيخ عبد الكريم الجيلي ، في العينية .