ابن عجيبة
464
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
حصد من أصله ، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ : كأن لم تقم بِالْأَمْسِ ، أو كأن لم يغن زرعها ، أي : لم ينبت . والمراد : تشبيه الدنيا في سرعة انقضائها بنبات أخضرّ ثم صار هشيما ، كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ويتدبرون عواقب الأمور ، فيعلمون أن الدنيا سريعة الزوال ، وشيكة التغير والانتقال ، فيزهدون فيها ويجعلونها مزرعة لدار السلام ، التي هي دار البقاء . وهي التي دعا إليها عباده بقوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ أي : السلامة من الفناء وجميع الآفات ، أو دار اللّه الذي هو السلام . وتخصيص هذا الاسم للتنبيه على ذلك ، أو دار يسلم اللّه والملائكة فيها على من يدخلها ، وهي الجنة ، وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ توفيقه إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، التي توصل إليها وإلى رضوانه فيها ، وهو الإسلام والتدرع بلباس التقوى ، وفي تعميم الدعوة وتخصيص الهداية بالمشيئة دليل على أن الأمر غير الإرادة ، وأن المصرّ على الضلالة لم يرد اللّه رشده . قاله البيضاوي . الإشارة : ما ذكره الحق تعالى في هذه الآية هو مثال لمن صرف همته إلى الدنيا ، وأتعب نفسه في جمعها ، فبنى وشيد وزخرف وغرس ، فلما أشرف على التمتع بذلك اختطفته المنية ، فلا ما كان أمّل أدرك ، ولا إلى ما فاته من العمل الصالح رجع . وفي بعض خطبه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : « أما رأيتم المؤاخذين على الغرة ، المزعجين بعد الطمأنينة ، الذين أقاموا على الشبهات ، وجنحوا إلى الشهوات ، حتى أتتهم رسل ربهم ، فلا ما كانوا أمّلوا أدركوا ، ولا ما فاتهم رجعوا ، قدموا على ما قدّموا ، وندموا على ما خلفوا ، ولم ينفع الندم وقد جف القلم » . وقال أيضا صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تخدعنكم زخارف دنيا دنية عن مراتب جنات عالية ، فكأن قد كشف القناع ، وارتفع الارتياب ولا في كل امرئ مستقره ، وعرف مثواه ومنقلبه » . وروى عن جابر رضى اللّه عنه أنه قال : شهدت مجلسا من مجالس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ أتاه رجل أبيض ، حسن الشعر واللون ، فقال : السلام عليك يا رسول اللّه ، قال : وعليك السلام . قال : يا رسول اللّه ، ما الدنيا ؟ فقال : حلم النائم ، وأهلها مجازون ومعاقبون . قال : يا رسول اللّه ، فما الآخرة ؟ . قال : الأبد ، فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، قال : يا رسول اللّه ، فما الجنة ؟ قال : ترك الدنيا بنعيمها أبدا ، ثم قال : فما خير هذه الأمة ؟ قال : الذي يعجل بطاعة اللّه ، قال : فكيف يكون الرجل فيها ؟ - أي في الدنيا - قال : متشمرا كطالب قافلة ، قال : وكم القرار بها ؟ قال : كقدر المتخلف عن القافلة ، قال : فكم ما بين الدنيا والآخرة ؟ قال كغمضة عين . ثم ذهب الرجل فلم ير ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « هذا جبريل ، أتاكم يزهدكم في الدنيا » .