ابن عجيبة
465
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقال الورتجبي عند قوله : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ : الله تعالى يدعو العباد من هذه الدار الفانية إلى الدار الباقية ، لئلا يفتنوا بزخرفها وغرورها ، وليصلوا إلى جواره ونعيم مشاهدته . ه . قال المحشى : قلت : وذلك أن أعلى اللذات التحقق بصفات الربوبية ، وهي محبوبة للقلب والروح بالطبع ، لما فيه من المناسبة لها . ولذلك قال : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » ، ثم المناسب إنما هو بقاء لا فناء فيه ، وعز لا ذل فيه ، وغنى لا فقر فيه ، وكمال لا نقص فيه ، وأمن لا خوف فيه ، وهذا كله من أوصاف الربوبية ، وحق كل عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له ، ولا يكون ذلك في الدنيا لانصرافها وشوبها بآلام مكدّرات ، وإنما ذلك في الآخرة ، ولكن الشيطان بتلبيسه وحسده يدعو إلى ما لا يدوم من العاجلة ، متوسلا بما في الطبع من العجلة ، واللّه يدعو إلى الملك الحقيقي ، وذلك بالزهد في العاجل والراحة منه عاجلا ، ليكون ملكا في الدنيا ، وبالقرب من اللّه والرغبة في التحقق به وبأوصافه ليكون ملكا في الآخرة . وفي الطيبي : قيل لابن أدهم : مالنا ندعو فلا نجاب ؟ فقال : لأنه دعاكم فلم تجيبوه ، ثم قرأ : وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ ، وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا « 2 » . ه . ثم فسر ما دعا إليه ، فقال : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 26 ] لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ( 26 ) يقول الحق جل جلاله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده وعبادته ، وفيما بينهم وبين عباده بكف أذاهم وحمل جفاهم ، لهم الْحُسْنى أي : المثوبة الحسنى ، وهي الجنة وزيادة ، وهي النظر إلى وجهه الكريم ، أو الحسنى : ما يثيب به على العمل ، والزيادة : ما يزيد على ما يستحق العبد تفضلا كقوله : وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ * « 3 » ، أو الحسنى : مثل حسناتهم ، والزيادة : التضعيف بعشر أمثالها إلى سبعمائة أو أكثر ، وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ : لا يغشاها قَتَرٌ : غبرة فيها سواد تغبر الوجه وَلا ذِلَّةٌ أي : هوان ، والمعنى لا يرهقهم ما يرهق أهل النار ، أو لا يرهقهم ما يوجب ذلك من خزى وسوء حال ، أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ : دائمون ، لا زوال لهم عنها ، ولا انقراض لنعيمها ، بخلاف الدنيا وزخارفها فقد تقدم مثالها .
--> ( 1 ) من الآية 85 من سورة الإسراء . ( 2 ) من الآية 26 من سورة الشورى . ( 3 ) من الآية 173 من سورة النساء .