ابن عجيبة
444
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن ، فَمِنْهُمْ ؛ فمن المنافقين مَنْ يَقُولُ ؛ إنكارا واستهزاء : أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً ، كما يزعم أصحاب محمد : أن القرآن يزيدهم إيمانا ، فلا زيادة فيه ، ولا دليل أنه من عند اللّه . قال تعالى في الرد عليهم : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً ؛ لتنوير قلوبهم ، وصفاء سرائرهم ، فتزيدهم إيمانا وعلما ؛ لما فيها من الإنذار والإخبار ، ولانضمام الإيمان بها وبما فيها إلى إيمانهم ، وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بنزولها ؛ لأنها سبب لزيادة إيمانهم ، وارتفاع درجاتهم ، بخلاف قلوب المنافقين ؛ فلظلمانيتها وخوضها لم تزدهم إلا خوضا ، كما قال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ؛ كفر وشك ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ أي : كفرا بها ، مضموما إلى الكفر بغيرها ، الذي كان حاصلا فيهم ، وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ أي : وتحكم ذلك في قلوبهم حتى ماتوا عليه . أَ وَلا يَرَوْنَ أي : المنافقون ، أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ أي : يبتلون ويختبرون بأصناف البليات ، كالأمراض والجوع ، أو بالجهاد مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيعاينون ما يظهر عليه من الآيات ، أو يفضحون بكشف سرائرهم . يفعل ذلك بهم فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ، ثُمَّ لا يَتُوبُونَ : لا ينتهون من نفاقهم وكفرهم ، وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ؛ يعتبرون . وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ، يريدون الهرب ، يقولون : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ إذا قمتم ، فإن لم يرهم أحد قاموا وانصرفوا . قال البيضاوي : تغامزوا بالعيوب ، إنكارا لها وسخرية ، أو غيظا ؛ لما فيها من عيوبهم . ه . قال ابن عطية : المعنى : إذا ما أنزلت سورة فيها فضيحتهم ، نظر بعضهم إلى بعض على جهة التقرير ، يفهم من تلك النظرة : التقرير : هل معكم من ينقل عنكم ؟ هل يراكم من أحد حين تدبرون أمركم ؟ وقوله : ثُمَّ انْصَرَفُوا ؛ أي : عن طريق الاهتداء ، وذلك أنهم حينما بيّن لهم كشف أسرارهم ، يقع لهم - لا محالة - تعجب وتوقف ونظر ، فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لهم ، فهم ، إذ يصممون على الكفر ، ويرتكبون فيه ، كأنهم انصرفوا عن تلك الحال ، التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء . ه . والتحقيق : أن معنى انْصَرَفُوا : قاموا عن مجلس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ مخالفة الفضيحة . صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان ؛ دعاء عليهم ، أو إخبار ، فيستوجبون ذلك ؛ بِأَنَّهُمْ ؛ بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ؛ لا يفهمون عن اللّه ؛ ولا عن رسوله - عليه الصلاة والسلام - ، أو لا يفقهون سوء فهمهم أو عدم تدبرهم . الإشارة : زيادة الإيمان عند سماع القرآن يكون على حسب التصفية والتطهير من الأغيار ، فبقدر ما يصفو القلب من الأغيار يكشف له عن أسرار القرآن . قال بعضهم : كنت أقرأ القرآن فلا أجد له حلاوة ، فجاهدت نفسي