ابن عجيبة
445
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وطهرتها ، فصرت كأني أسمعه من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، يتلوه على أصحابه ، ثم رفعت إلى مقام فوقه ، فكنت أتلوه كأني أسمعه من جبريل يلقيه على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم منّ علىّ اللّه بمنزلة أخرى ، فأنا الآن أسمعه من المتكلم به ، فعندها وجدت له نعيما لا أصبر عليه . ه . بلفظه . مثل هذا يزيده القرآن إيقانا ، ويستبشر قلبه عند سماعه ، وأما من كان مريض القلب بحب الدنيا ، مغمورا بالشكوى والأوهام والخواطر ، فلا يزيده القرآن إلا بعدا ؛ حيث لم يتدبر فيه ، ولم يعمل بمقتضاه ، وإذا حضر مثل هذا الغافل مجلس وعظ أو تذكير أو ذكر لم يطق الجلوس ، بل نظر : هل يراه من أحد ؟ ثم انصرف ، صرف اللّه قلبه عن حضرة قدسه ؛ لعدم فهمه عن ربه . واللّه تعالى أعلم . ثم ختم السورة بذكر محاسن نبيه - عليه الصلاة والسلام - ؛ لما ظهر عليه في هذه السورة من الرحمة والرأفة بالمؤمنين ، ومن العفو والصفح عن المعتذرين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 128 إلى 129 ] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 ) قلت : « عزيز » : صفة « لرسول » ، و « ما عنتم » : فاعله ، و « ما » : مصدرية ، أي : عزيز عليه عنتكم ، أو عزيز : خبر مقدم ، و « ما عنتم » مبتدأ ، والعنت : المشقة والتعب . يقول الحق جل جلاله ، مخاطبا العرب ، أو قريش ، أو جميع بني آدم : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ ؛ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، أي : من قبيلتكم ، بحيث تعرفون حسبه وصدقه وأمانته ، وتفهمون خطابه ، أو من جنسكم من البشر . وقرأ ابن نشيط : بفتح الفاء ، أي من أشرافكم . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ اللّه اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى بني هاشم من قريش ، واصطفاني من بني هاشم ، فأنا مصطفى من مصطفين » . عَزِيزٌ عَلَيْهِ ، أي : شديد شاق عليه ما عَنِتُّمْ أي : عنتكم ومشقتكم ولقاؤكم المكروه في دينكم ودنياكم . حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي : على إيمانكم وسعادتكم وصلاح شأنكم ، بِالْمُؤْمِنِينَ منكم ومن غيركم رَؤُفٌ رَحِيمٌ أي : شفيق بهم ، قدّم الأبلغ منهما ؛ لأن الرأفة شدة الرحمة ؛ للفاصلة . وسمى رسوله هنا باسمين من أسمائه تعالى .