ابن عجيبة
441
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : لا ينبغي للفقراء أن يتخلفوا عن أشياخهم إذا سافروا لحج أو غزو أو تذكير أو زيارة ، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ، فيقعدون في الراحة والدعة ؛ وشيخهم في التعب والنصب ؛ لأن ما يصيبهم من مشاق السفر زيادة في ترقيهم ومعرفتهم ، وتقوية لمعانيهم ، إلى غير ذلك من فوائد السفر ، فهو في حق السائرين أمر مؤكد ، فكلما سار البدن في عالم الشهادة سار القلب في عالم الغيب ، كما هو مجرب . واللّه تعالى أعلم . ولما ذمّ اللّه تعالى من تخلف عن تبوك ، ووسمه بالنفاق ، لم يقدر أحد بعد ذلك على التخلف ، فخفف عنهم بقوله : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 122 ] وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) يقول الحق جل جلاله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ يستقيم لهم أن ينفروا كَافَّةً ؛ جميعا لنحو غزو ، أو طلب علم ، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعا ، فإنه بخل ، ووهن للإسلام . قال ابن عباس : هذه الآية في البعوث إلى الغزو والسرايا ، أي : لا ينبغي خروج جميع المؤمنين في السرايا ، وإنما يجب ذلك إذا خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بنفسه ، ولذلك عاتبهم في الآية المتقدمة على التخلف عنه . فالآية الأولى في الخروج معه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذه في السرايا التي كان يبعثها ، وقيل : هي ناسخة لكل ما ورد من الأمر بخروج الجميع ، فهي دليل على أن الجهاد فرض كفاية . فَلَوْ لا : فهلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ ؛ جماعة كبيرة ، كقبيلة أو بلدة ، طائِفَةٌ قليلة منها ؛ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، أما إذا خرجوا للغزو ؛ فإنه لا يخلو الجيش من عالم أو عارف يتفقهون ، مع أن مشاق السفر تشحذ الأذهان ، وترقق البشرية ، فتستفيد الروح حينئذ علوما لدنية ، وأسرارا ربانية ، من غير تعلم ، وهذا هو العلم الذي يصلح للإنذار . قال في الإحياء : التفقه : الفقه عن اللّه ؛ بإدراك جلاله وعظمته ، وهو العلم الذي يورث الخوف والخشية والهيبة والخشوع ، ويحمل على التقوى وملازمتها ، وهذا مقتضى الآية . فإن معرفة صفاته تعالى المخوفة والمرجوة هو الذي يحصل به الإنذار ، لا الفقه المصطلح عليه . ه . وأما إذا وقع الخروج لطلب العلم فالتفقه ظاهر . ثم قال تعالى : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ، أي : وليجعلوا غاية سعيهم ومعظم غرضهم من التفقه إرشاد القوم وإنذارهم . وتخصيصه بالذكر ؛ لأنه أهم ، وفيه دليل على أن التفقه والتذكير من فروض الكفاية ، وأنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم فيه أن يستقيم ويقيم ، لا الترفع على الناس والتبسط في البلاد . قاله البيضاوي . وقوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ، أي : لعلهم يخافون مما حذروا منه .