ابن عجيبة

442

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قال البيضاوي : وقد قيل : للآية معنى آخر ، وهو أنه لما نزل في المتخلفين ما نزل ؛ تسابق المؤمنون إلى النفير ، وانقطعوا عن التفقه ، فأمروا أن ينفر من كل فرقة طائفة إلى الجهاد ، ويبقى أعقابهم يتفقهون ، حتى لا ينقطع التفقه الذي هو الجهاد الأكبر ، ؛ لأن الجدال بالحجة هو الأصل ، والمقصود من البعثة ، فيكون الضمير في لِيَتَفَقَّهُوا ، و لِيُنْذِرُوا : للفرق البواقي بعد الطوائف النافرة للغزو ، وفي رَجَعُوا : للطوائف النافرة ، أي : ولينذروا البواقي من قومهم النافرين إذا رجعوا إليهم بما حصّلوا أيام غيبتهم من العلوم . ه . وتقدير الآية على هذا : فلو لا نفر من كل فرقة طائفة ، وجلس طائفة ليتفقهوا في الدين ، ولينذروا قومهم الخارجين للغزو إذا رجعوا إليهم من غزوهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : قال القشيري : لو اشتغل الكلّ بالتّفقّه في الدّين لتعطّل عليهم المعاش ، ولمنعهم الكافر عن درك المطلوب ، فجعل ذلك فرضا على الكفاية . ويقال : المسلمون على مراتب : فعوامّهم كالرعية للملك ؛ وكتبة الحديث كخزنة الملك . وأهل القرآن كحفّاظ الدفاتر ونفائس الأموال . والفقهاء بمنزلة الوكلاء ؛ إذ الفقيه يوقع الحكم عن اللّه . وعلماء الأصول كالقوّاد وأمراء الجيوش . والأولياء كأركان الباب . وأرباب القلوب وأصحاب الصفاء كخواص الملك وجلسائه . فشغل قوما بحفظ أركان الشرع ، وآخرين بإمضاء الأحكام ، وآخرين بالردّ على المخالفين ، وآخرين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وجعل قوما مفردين لحضور القلب ؛ وهم أصحاب الشهود ، ليس لهم شغل ، يراعون مع اللّه أنفاسهم ، وهم أصحاب الفراغ ، لا يستفزّهم طلب ، ولا يهزّهم أمر ، فهم بالله لله ، بمحو ما سوى اللّه ، وأمّا الذين يتفقهون في الدّين فهم الداعون إلى اللّه ، وإنما يفهم الخلق عن اللّه بمن كان يفهم عن اللّه . ه . قوله : وأما الذين يتفقهون . . إلخ ، الداعون إلى اللّه على الحقيقة هم العارفون بالله ، وهم أصحاب الشهود ، الذين وصفهم قبل ، وأما الفقهاء في الدّين فإنما يدعون إلى أحكام اللّه ، وتعلم دينه دون معرفة ذاته وصفاته ؛ فدعواهم ضعيفة التأثير ، فلا ينهض على أيديهم ما ينهض على أيدي العارفين . وقال الورتجبي ، في قوله تعالى : ( ليتفقهوا في الدين ) : قال المرتعش : السياحة والأسفار على ضربين : سياحة لتعلم أحكام الدين وأساس الشريعة ، وسياحة لآداب العبودية ورياضة الأنفس ، فمن رجع عن سياحة الأحكام قام بلسانه يدعو الخلق إلى ربه ، ومن رجع من سياحة الأدب والرياضة قام في الخلق يهديهم لأخلاقه وشمائله . وسياحة هي سياحة الحق ، وهي رؤية أهل الحق والتأدب بآدابهم ، فهذا بركته تعم البلاد والعباد . ه .