ابن عجيبة

440

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ما كانَ يصح لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ، ولا لمن حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ ، أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ في غزوة ولا سرية ولا غيرهما ، وهو نهى بصيغة النفي ؛ للمبالغة . وَلا ينبغي لهم أن يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ؛ بأن يصونوها من اقتحام المشقات والمتاعب التي تحملها نبي اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث قعدوا عنه ، ولم يكابدوا معه ما كابده من الأهوال . روى أن أبا خيثمة دخل بستانه ، بعد خروجه - عليه الصلاة والسلام - لتبوك ، وكانت له امرأة حسناء ، فرشت له في الظل ، وبسطت له الحصير ، وقربت إليه الرطب والماء البارد ، فنظر فقال : ظلّ ظليل ، ورطب يانع ، وماء بارد ، وامرأة حسناء ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في الضّحّ « 1 » والريح ، ما هذا بخير ، فقام ، فرحل ناقته ، وأخذ سيفه ورمحه ، ومر كالريح ، فمدّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم طرفه إلى الطريق ، فإذا براكب يقطع السراب ، فقال : كن أبا خيثمة ، فكأنه « 2 » ، ففرح به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، واستغفر له « 3 » . ثم علل النهى بقوله : ذلِكَ ؛ إشارة إلى النهى عن التخلف المفهوم من الكلام ، بِأَنَّهُمْ ؛ أي : بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ في سفرهم ظَمَأٌ من حر العطش ، أو عطش ، وَلا نَصَبٌ ؛ تعب ، وَلا مَخْمَصَةٌ ؛ مجاعة ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلا يَطَؤُنَ يدوسون بأرجلهم أو بدوابهم مَوْطِئاً ؛ مكانا يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي : يغيظهم ذلك الوطء ، وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا ؛ كالقتل ، والأسر ، والنصب ، وكل ما ينكبهم ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ ، أي : إلا استوجبوا به ثوابا جزيلا . وذلك مما يوجب النهوض إلى الغزو معه صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ فإن اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم . وهو تعليل لقوله : إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ . . إلخ . وفيه تنبيه على أن الجهاد إحسان ، أما في حق الكفار ؛ فلأنه سعى في تكميلهم بأقصى ما يمكن ، كضرب المداوي للمجنون ، وأما في حق المؤمنين ؛ فلأنه صيانة لهم عن سطوة الكفار واستيلائهم على الإسلام . قاله البيضاوي . وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً في أمر الجهاد ، ولو علاقة سيف ، وَلا كَبِيرَةً ؛ مثل ما أنفق عثمان رضى اللّه عنه في جيش العسرة ، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً في سيرهم ، وهو كل منفرج ينفذ فيه السيل ، إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ ذلك ، ولم يضع منه شئ ، لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بذلك أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ، أي : جزاء أحسن أعمالهم ، أو أحسن جزاء أعمالهم . قاله البيضاوي .

--> ( 1 ) الضّح - بالكسر : ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض . . . راجع النهاية 87 . ( 2 ) أي : فكان هو . ( 3 ) أخرجه بنحوه البيهقي في الدلائل ( باب لحوق أبي ذر وأبى خيثمة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد خروجه ) . وانظر الفتح السماوي ( 2 / 707 - 708 ) .