ابن عجيبة
411
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بعض الأخبار : « من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع اللّه عورته حتى يفضحه ، ولو في جوف بيته » . ومن اشتغل بإذاية الأولياء ، ولم يتب ، مات على سوء الخاتمة ، وذلك جزاء من حارب اللّه - والعياذ بالله - . ثم ذكر تخلف المنافقين عن الجهاد ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 81 إلى 83 ] فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ ( 81 ) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) قلت : ( خلاف رسول اللّه ) : منصوب على الظرفية ، أي : بعده ، يقال : أقام خلاف الحي ، أي : بعدهم ، وقيل : مصدر خالف ، فيكون مفعولا لأجله ، أو حال . يقول الحق جل جلاله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ أي : الذين خلفهم اللّه عن الغزو ، وأقعدهم عنه ، ولذلك عبّر بالمخلفين دون المتخلفين ، فرحوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي : بعده في غزوة تبوك ، وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؛ إيثارا للراحة والدّعة على طاعة اللّه ورسوله . وفيه تعريض بالمؤمنين الذين آثروا عليها تحصيل رضاه ؛ ببذل الأموال والمهج ، وأما المنافقون فآثروا الراحة وقعدوا ، وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ ، قاله بعضهم لبعض ، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا لهم . قال ابن جزى : قائل هذه المقالة رجل من بنى سليم ، ممن صعب عليه السفر إلى تبوك في الحر . ه . قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ، وقد آثرتموها بهذه المخالفة ، لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أن مآلهم إليها ، أو كيف هي ؟ . . . ما اختاروها بإيثار الدعة على الطاعة . فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ، وهو إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا والآخرة ، أي : سيضحكون قليلا ، ويبكون كثيرا ؛ لما يرون من سوء العاقبة ، وأتى به على صيغة الأمر ؛ للدلالة على أنه حتم واجب وقوعه . قال ابن جزى : أمر بمعنى الخبر ، فضحكهم القليل في الدنيا مدة بقائهم فيها ،