ابن عجيبة

412

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وبكاؤهم الكثير في الآخرة ، أي : سيضحكون قليلا في الدنيا ، ويبكون كثيرا في الآخرة ، وقيل : هو بمعنى الأمر ، أي : يجب أن يكونوا يضحكون قليلا ويبكون كثيرا في الدنيا ، لما وقعوا فيه . ه . فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ أي : فإن ردك اللّه من الغزو إلى المدينة ، وفيها طائفة من المتخلفين - يعني منافقيهم - وكانوا اثنى عشر رجلا ممن تخلف من المنافقين ، وإنما لم يقل : إليهم ؛ لأن منهم من تاب من النفاق ، وندم على التخلف ، فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أخرى بعد تبوك ، فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا ؛ عقوبة لهم ، وفيها خزى وتوبيخ لهم ، إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، يعنى : عن تبوك ، وهو تعليل لعدم خروجهم معه في المستقبل ، فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي : المتخلفين ، أي : لعدم تأهلهم للجهاد كالنساء والصبيان . الإشارة : من قلّ إيقانه ، وضعف نور إيمانه ، فرح ببقائه ، مع متابعة هواه وتيسير أمور دنياه ، وكره ارتكاب مشاق المجاهدة ، واقتحام حر المخالفة والمكابدة ، وثبط من رآه يروم تلك الوجهة ، ويريد أن يتأهب لدخول ميدان تلك الحضرة ؛ فسيندم قريبا ، حين يفوز الشجعان بحضرة الوصال ، ويتأهلون لمشاهدة الكبير المتعال ، ولا ينفع الندم وقد زلت القدم ، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى . وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ ، أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ، فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ « 1 » . وبالله التوفيق . ثم نهى نبيه عن الصلاة على المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 84 إلى 85 ] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( 84 ) وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ ( 85 ) قلت : ( أبدا ) : ظرف لمات ، أي : مات في مدة لا حياة بعدها ؛ فإن حياة الكافر للتعذيب ، وهي كلا حياة . يقول الحق جل جلاله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ من المنافقين إذا مات على كفره ، بحيث ( مات أبدا ) أي : موتة لا حياة بعدها . نزلت في عبد اللّه بن أبىّ رأس المنافقين ، فإنه لما مرض ، دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأله أن يستغفر له ويكفنه في ثوبه الذي يلي جسده ، ويصلى عليه ، فلما مات أرسل قميصه ليكفن فيه ، وذهب ليصلى عليه ، فنزلت . وروى أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما تقدم للصلاة عليه جذبه جبريل بثوبه ، وتلى عليه الآية

--> ( 1 ) الآيات 11 - 13 من سورة الواقعة .