ابن عجيبة

410

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فلمزهم المنافقون ، وقالوا : ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياء ، ولقد كان اللّه ورسوله لغنيين عن صاع أبى عقيل ، فنزلت الآية « 1 » . ونزلت في أبى عقيل : وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ ؛ إلا طاقتهم ، فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ ؛ يستهزءون بهم . قال تعالى : سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ؛ جازاهم على سخريتهم ، كقوله : اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ « 2 » ، وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على كفرهم . اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ، يريد به التساوي بين الأمرين في عدم الإفادة ، كما نص عليه بقوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ، روى أن عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبىّ - وكان من خيار المسلمين - سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، في مرض أبيه ، أن يستغفر له ، ففعل ، فنزلت : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ « 3 » ، وذلك لأنه - عليه الصلاة والسلام - فهم من السبعين العدد المخصوص ، وقال : ولو علمت أنى إن زدت على السبعين غفر له ، لزدت « 4 » ، فبيّن له أن المراد به التكثير ، دون التحديد ، وقد شاع استعمال السبعة والسبعين والسبعمائة في التكثر ؛ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العدد ، فكأنه العدد بأسره قاله البيضاوي . ذلِكَ أي : عدم قبول استغفارك بسبب أنهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : ليس لبخل منا ، ولا تقصير في حقك ، بل لعدم قابليتهم ؛ بسبب الكفر الصارف عنها . وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ؛ المتمردين في كفرهم ، وهو كالدليل على الحكم السابق ، فإن مغفرة الكافر بالإقلاع عن الكفر ، والإرشاد إلى الحق ، والمنهمك في كفره ، المطبوع عليه ، لا ينقلع ولا يهتدى ، والتنبيه على عذر الرسول في استغفاره ، وهو عدم يأسه من إيمانهم ، ما لم يعلم أنهم مطبوعون على الضلالة ، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم ؛ لقوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . . . الآية « 5 » . قاله البيضاوي . الإشارة : من نصب الميزان على المؤمنين فيما يصدر منهم ، أو على الصالحين أو الأولياء فيما يظهر عليهم ، حتى يسخر منهم ، سخر اللّه منه ، وأبعده من رحمته ، فلا تنفع فيه شفاعة الشافعين ولا استغفار المستغفرين . وفي

--> ( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ( 260 ) عن قتادة . ( 2 ) من الآية 15 من سورة البقرة . ( 3 ) من الآية 6 من سورة المنافقون . ( 4 ) أخرجه بسياق آخر ، البخاري في ( تفسير سورة التوبة ) . ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب من فضائل عمر ) عن ابن عمر . ( 5 ) الآية 113 من سورة التوبة .