ابن عجيبة
409
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وقد ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ليس الغنى بكثرة العرض ، إنما الغنى غنى النّفس » . وغنى النفس عن الدنيا : شرف الأولياء المختارين ، وعز أهل التقوى المؤمنين المحسنين . ولقد صدق قول الشاعر : غنى النّفس ما يغنيك عن سد خلّة * فإن زدت شيئا عاد ذلك الغنى فقرا . وقد قيل : من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى اللّه عيني قلبه . وقالت الجارية المجنونة لعبد الواحد بن زيد : يا عبد الواحد ، اعلم أن العبد إذا كان في كفاية ، ثم مال إلى الدنيا ، سلبه اللّه حلاوة الزهد ، فيظل حيرانا والها ، فإن كان له عند اللّه تعالى نصيب ، عاتبه وحيا في سره ، فقال : عبدي ؛ أردت أن أرفع قدرك عند ملائكتي وحملة عرشي ، وأجعلك دليلا لأوليائي وأهل طاعتي في أرضى ، فملت إلى عرض من أعراض الدنيا وتركتني ؛ فورثتك بذلك الوحشة بعد الأنس ، والذل بعد العز ، والفقر بعد الغنى ، عبدي ؛ ارجع إلى ما كنت عليه ، أرجع بك إلى ما كنت تعرفه . ه . وقد تقدمت الحكاية . وفي بعض الكتب : إن أهون ما أصنع بالعالم ، إذا مال إلى الدنيا أن أسلبه حلاوة مناجاتى . ه . ثم ذم المنافقين بعيب آخر ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 79 إلى 80 ] الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 79 ) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ ( 80 ) قلت : ( الذين ) : مبتدأ حذف خبره ، أي : منهم الذين ، أو خبر عن مبتدأ ، أو منصوب على الذم ، أو بدل من ضمير سرهم . وأصل المطوعين : المتطوعين ، فأدغمت التاء في الطاء ، و ( جهدهم ) : مصدر جهد في الأمر : بالغ فيه . يقول الحق جل جلاله : ومنهم الَّذِينَ يَلْمِزُونَ أي : يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ ، روى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم حث على الصدقة ، فجاء عبد الرّحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم ، وقال : كان لي ثمانية آلاف ، فأقرضت ربى أربعة ، وأمسكت لعيالى أربعة . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « بارك اللّه لك فيما أعطيت وفيما أمسكت » . فبارك اللّه له حتى صالحته إحدى زوجتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم . وتصدّق عاصم بن عدي بثمانية أوسق تمرا ، وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع تمر ، فأمره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن ينثره على تمر الصدقات ،