ابن عجيبة

394

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَمِنْهُمْ ؛ ومن المنافقين مَنْ يَلْمِزُكَ أي : يعيبك ، ويعترض عليك فِي قسم الصَّدَقاتِ ، فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وفرحوا ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها شيئا إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ . والآية نزلت في ابن أبي ؛ رأس المنافقين ، قال : ألا ترون إلى صاحبكم إنّما يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم ، ويزعم أنّه يعدل . وقيل : في ذي الخويصرة رأس الخوارج ، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يقسم غنائم حنين ، فاستعطف قلوب أهل مكة ، فآثرهم بالعطاء ، فقال : اعدل يا رسول اللّه ، فقال : « ويلك ، إن لم أعدل فمن يعدل ؟ » « 1 » . قال تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي : بما أعطاهم الرسول من الغنيمة ، وذكر اللّه ؛ للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول - عليه الصلاة والسلام - كان بأمر اللّه ووحيه ، فكأنه فعله هو . وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي : كفانا فضله ، سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ صدقة أو غنيمة أخرى ، فيؤتينا أكثر مما أتانا ، إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يغنينا من فضله وجوده . فلو فعلوا هذا لكان خيرا لهم من اعتراضهم عليك ، الموجب لهم المقت والعذاب . الإشارة : لا يكون المؤمن كاملا حتى يستوى عنده المنع والعطا ، والفقد والوجد ، والفقر والغنى ، والعز والذل . وأما إن كان في حالة العطاء والوجد يفرح ، وفي حالة المنع والفقد يسخط ، فلا فرق بينه وبين أهل النفاق ، إلا من حيث التوسم بالإيمان ، ولو أنه رضى بما قسم اللّه له ، واكتفى بعلمه ، ورغب اللّه في زيادته من فضله ، لكان خيرا له وأسلم . واللّه تعالى أعلم وأحكم . ثم بيّن مصرف الصدقات الواجبة ؛ قطعا لأطماع من لا يستحقها ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 60 ] إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 60 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّمَا تدفع الصَّدَقاتُ الواجبة - أي : الزكاة - لهؤلاء الثمانية ، وهذا يرجّح أن لمزهم كان في قسم الزكاة لا في الغنائم ، واختصاص دفع الزكاة بهؤلاء الثمانية مجمع عليه ، واختلف : هل يجب تعميمهم ؟ فقال مالك : ذلك إلى الإمام ، إن شاء عمم وإن شاء خصص ، وإن لم يلها الإمام ؛ فصاحب المال

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( المناقب ، باب علامات النبوة ) ومسلم في ( الزكاة ، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ) من حديث أبي سعيد الخدري - رضى اللّه عنه - .